رمضان بنفحات أوروبية

حتى وإن كنت أريد الكتابة عن رمضان الذي أعرف فعليّ أولًا النهوض بما أحمل من وزنٍ خفيف وإلقائه بجانب أحد المكيفات المركزية التي تبث دفئًا ليس بالحقيقي، ومن ثم إعدادُ كوبٍ من قهوةٍ لتدفئ ما بقي بداخلي من نفحات رمضانية أوروبية، لينتهي بي المطاف إلى اعتصار ذاكرةٍ حاد مرَّ على فقدانها قرابة الثماني سنوات ما بين حصارٍ وحربٍ وإجلاءٍ نصف إراديٍ عن الأرض.

يدخل علينا رمضان هذا العام أشدُ وطئًا وغربةً من عامه السابق. فلا تجليات بين حارات المدينة ولا نفحاتٍ نفسية تضفي لصاحبها شعور البهجة والفرح بقدوم زائر من زوار الخالق، ولا حتى أحبة كانوا معنا وأضافوا لرمضان رونقه، ثم انتهى تأديتهم للأمانة وتبليغهم للرسالة التي خُلقوا من أجلها وغادروا.

في كل عام، تسعى العائلات المسلمة من أصولٍ عربية أو ممن سكنوا الأرض العربية وعمروها سابقًا إلى خلق جوٍ رمضاني من أجل أطفالهم وذويهم، علّهم بذلك يعلمون أولئك القاصرين حق رمضان فينا وعلينا وحق خالقه فينا وعلينا. فترى أغلب العوائل يسعون بشتى الوسائل إلى زيارة بلدانٍ إسلامية ممن يحتفلون بقدوم هذا الشهر الفضيل احتفالًا تشريفيًا يليق بعِظَمه، فيبالغون بشراء الزينة والفوانيس بُغية تزيين المنازل الأوروبية التي تسكنهم ويسكنونها. هذا كان سابق عهدهم قبل اكتساح الأسواق الأونلاين لعالمهم. اليوم ومع تجدد الحيوات وكثرة الطلبات التي تحث التجار على خلق أسواقٍ إلكترونية افتراضية، تلبية ومحاكاةً لواقعٍ لا مفر منه، تسعى العديد من العوائل إلى غزو عالم الإنستجرام وتصفح الحسابات الإلكترونية المعنية بالبيع الإلكتروني لشراء ما طاب لهم من هدايا وفوانيس وأضواء ربما تساعدهم على خلق جوٍ لا بأس به من الحياة داخل بيوتٍ أوروبية مليئة بكل شيءٍ وأحد تلك الحياة التي ينشدونها في رمضان.

يبلغ عدد ساعات الصيام الأوروبي حسب البلدان الإسكندنافية والقليل ممن حولها قرابة 20 ساعةً فما فوق حسب جهة المدينة الى الشمال.

عشرون ساعةً يحاول فيها أهل الإسلام ممارسة كافة الشعائر الإسلامية المصاحبة للشهر الفضيل كالذكر الكثير والدردشة مع أهلٍ في أقصى بقاع الأرض بعدًا وختم عدد أجزاء لا بأس بها من القرآن الكريم ومشاهدة قنوات التعليم الإسلامي والاستماع الى الأناشيد التي تروي الصدور والقلوب وإعداد ركن من أركان المنزل مخصص لعبادة القيام والتراويح وأداء فريضة الفجر وغيرها العديد من النفحات التي علّها تعيد للعوائل جوًا مبهجًا.

ويبقى هنا التحدي الأعظم وهو محاولة موازنة ساعات الصيام مع ساعات العمل وساعات الدراسة ووقت إعداد الفطور، وإذا ما تطلب الأمر إعداد سحورٍ أيضًا مع وقت الصلاة في الجوامع وما إلى ذلك.

فليس كل العائلات تحتاج إلى إعداد أهم وجبتين في رمضان. فالعديد منا يكتفي بوجبة الإفطار ويضمها إلى وجبة السحور؛ لأن الرخصة المسموحة لنا بلإفطار لا تتجاوز الأربع ساعات يوميًا، مقسمةٌ بين فطورٍ وصلواتٍ وأذكار وتراويح والكثير من الشراب لسد ظمأ 20 ساعة.

أمّا عن وجبة الطعام الأشهى خلال اليوم فيواجه المسلمون مهمة ايجاد الطعام الحلال الذي يُشبع ويسد الظمأ ويعطي الطاقة لإكمال المسير في اليوم التالي. ولأن معظم أهل اوروبا من العاملين او الطلاب فإن التحدي الذي يلي هو محاولة تدريب النفس وتعويدها على الخوض في الحياة اليومية الأوروبية إلى جانب الصوم والعبادة.

مع العلم أن هناك من الأوروبيين غير المسلمين من يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تخفيف وطأة الصيام الطويل على المسلمين بأن يساندهم بأن لا يأكل أو يشرب أمامهم طيلة فترة بقائه معهم، ومنهم آخرون من يحاولون أداء تجربة الصيام إذا ما كان الصائم أمامهم مؤمنًا عقلًا وقلبًا، وحاول إقناعهم بفائدة الصيام لجسد الإنسان. فيمتنعون بذلك عن الطعام طيلة العشرين ساعة، لكنهم لا يستطيعون الامتناع عن شرب الماء في أثناء الصوم.

في الماضي، كان استقبال رمضان استقبالًا شعائريًا عظيمًا، مع الأحبة والأصدقاء والسهر والسمر والعبادة والصلوات والذكر والدعوة الطيبة والبسمة الصادقة الحسنة، أما اليوم فقد تفرّق الأهل والأحباب، منهم من غادر الحياة بلا عودة، ومنهم من غادر البلاد بلا عودة. ويبقى التحدي الأعظم محاولة خلق رمضان الذي نعرف وسط أجواءٍ مليئة بكل الحياة إلا تلك التي نعرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد