شهر يفترض أن يكون فضيلا، لكن جعلناه رذيلا، أهملناه وأهملنا شعائره فأهملنا ونزع شوقه منا، الأحداث تتسارع وردود الأفعال طبعا هي الأسرع. ختمنا سبعا وعشرين ليلة لا يمكن أن نتذكر فيها إلا سبعا وعشرين نكسة.. الأنامل ترتعش والأقلام تأبى والعقل مستحٍ وتائه بين التخيير في الأولى والأجدر بالبداية. ولعل المصيبة التي هزت الأسرة الجامعية أخيرا هي الأولى بذلك فقد تم من خلالها إلقاء التحية على آخر قيم المجتمع ورأت في رحيل الأخلاق والأعراف عنوانا لها، فمساس النخبة ليس هيٍنا عليّ كطالب يا صاحٍ ولعمري إنه يعكس حالها في بلدي، وقبلها رأينا كيف استبدلت أخلاق البيت بأخلاق الشارع وكيف استبدل الدفء والمودة والرحمة بالاضطهاد والاستهتار والقسوة، فالأول صور ابنه في حال حرج والثاني رمى زوجته بطلقة وقد كان فينا وزيرا، لتخرج علينا بعد ذلك وبسرعة البرق مواقع التناحر بفضيحتين أخلاقيتين في عزه، الأولى كانت بإقامة البنات بإحدى الجامعات والثانية بكبرى الشركات، لكن ذلك لم يمنعني كمشاهد أن أتطرق لمهازل وكوارث الشاشات التي اعتبرت نفسها بديلة يوما ما، برامج القبح ومشاهد الرخص المنظم كان لها الحظ الأوفر في برمجة هذا الشهر، ولعل أهم هذه البرامج هي أكبر مقلب في العالم شارك فيه شبه مثقف مدعوم بأهم شخصية في دوائر صنع القرار في الهواء الطلق فتم من خلاله محاولة لتثبيت الماء في الرمال.

قد يكون الهدف من هذا أو ذاك هو محاولة للنظام التأقلم مع آخر المشاهد ولم لا والتمويه على مهازل تشكيل الحكومة الجديدة. إن خبر إلغاء الدعوى القضائية للزعيم ضد إحدى الصحف العالمية بتهمة القذف قد يكون لها صدى آخر عند البعض، كيف لا وفي نفس اليوم تم سجن الأول بسبب تدوينة والثاني قتل بسبب مقالة، إلا أن أصحاب المال والنفوذ كالذين هم في لندن أو برلين مثلا لا يمكن أن يتهموا بمثل هاته الجنايات لأن الفرد منا أبان عن عديد مواطن الخلل فيه من خلال جدار فيسبوكي، لو تساءل الفرد منا ولو للحظة لماذا أصلي من أجل أن يبقى السريع في البطولة ولم يبتهل الآخر بغية إرضاء رونالدو ليبقى في البرنابيو! فلربما أدركنا الكثير من مآسينا.. حقا يا صاح إنها لكارثة.. تملص الكثير منا من إفريقيته وأصبح يطالب علنا بضرورة ترحيل نازحي الحروب، العنصرية جزء لا يتجزأ منا وقد اتهمنا شعوب ما وراء البحار بها ونحن الأولى بمحاربتها داخل ضمائرنا وقد رأينا كيف استثمر البغلان الشقيقان سياسيا في لاجئي الشام والشعب الجهول يأكل بعضه ويحاول الجهاد في فلسطين! حقا إنها مفارقة عجيبة!

إذا أخذت هذه النكسات والسقطات بعدها العالمي، يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كيف لإبليس أصبح يصلي لربه من خلال إمامة المرأة في مسجد ليبرالي مختلط! وكيف امتدح المحنك البريطاني السحور بدل أن يشيد بالإسلام! لعلمه أننا بعيدون كل البعد عن هذا الدين، وكيف اكتملت المسرحية بالجوار فتم الإفراج عن نجل أحد أكبر الديكتاتوريات السابقة! وكيف حاول الإعلام الفصل بين الأرض والحق والحركات التي تدافع عنها! وصقلت هاته العناصر في حسابات سياسية فتم حظر شقيقة لطالما شاركتهم الدم والهموم وأكلت ملحهم المسموم، فخرج من بينهم ما أسموهم علماء أباحوا المحرمات وتاجروا بالدين خدمة للسلطان فخذلني العريفي ومن قبله القرني.

أنا الآن أتابع مواقع التواصل ولا تروق لي إلا أخبار أحبها خاطري هروبا من الواقع المؤلم، لأن قلق أمريكا من تواصل الصين مع كائنات فضائية لا تجد هكذا أخبار إلا في الأقلام العربية وتتدوال كأنها شغل الأمة ناهيك عن كاميرا رامز الذي يقول إنه تحت الأرض، خسئ وكذب.. نحن تحت الأرض وهو فوق الأرض.. ليبيا واليمن تحت الأرض وهو فوق الأرض.. سوريا والعراق تحت الأرض وهو فوق الأرض.. الصومال والسودان تحت الأرض وهو فوق الأرض طبعا.. أفغانستان وبورما تحت الأرض وهو فوق الأرض بملايينه ودولاراته.. الفلوجة ومن بعدها الموصل البارحة وغزة قادمة لا محالة، منارة الحدباء أمس والأقصى غدا، آل سعود كانوا تحت الأرض وآل سلمان سيكونون أسفل سافلين.. لا أريد أن أضحك يا رامز بل أريد أن آسف على حالك وحالنا بعد وفاة أكبر تاجر أسلحة وهو ذو أصل سعودي، لا أريد أن أضحك فحالي حال أبا بكر أسيف الأمة.. إننا نسير خلف المرياع يا صاحٍ.

أفقت من كابوس الكلمات الأليمة، وأنا أتذكر حلقات من عاشور الذي بعمله الكوميدي أنقذ رمضان هذا السنة فقد أنصف بين المتصارعين، بين السلطة والفرد لا مال إلى هذا ولا إلى ذاك، فقد نظر كما تنظر البومة إلى حيزها.. فمن خلال هاته الأسطر أثرنا من كل قضيتين اثنتين منها ما جاءت فرادى ومنها ما جاءت زوجا.

شغلونا بإعلامهم وقضاياهم عن شعائر هذا الشهر فنسأل ذو القوة أن يشغلهم بملذاتهم وأهوائهم ويصرفهم عن ذكره مثلما أرادوا لخلقه، فشتان بين قوم اختصموا حول البسملة وبين قوم ألهتهم بطيخة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد