يأخذ الممثل في الصياح وتقاسيم وجهه قد انبعجت ومخارج حروفه لا يسمع منها غير حروف الخاء والتاء، ملوحًا بسكينه تارة أو بعصاه تارة أخرى، في سلسلة يبدو الغرض منها كوميديا، ولا شيء فيها يضحك حقًا. تبحث عن قناة وطنية أخرى تندهش من جديد، عبثًا، نفس الأوجه، ونفس الأشخاص، ونفس التفاصيل، أفواه فقدت بوصلة الاتجاه، ونفس الحكاية. بين (الدرب) و(ولاد علي) وغيرهما، تتوه بك الأسئلة والفرضيات، بين الغرض من نقل ظاهرة التشرميل الخُـلقي والخِـلقي، التي تقض مضجع كل عاقل في هذا البلد، إلى ساعات الذروة السنوية في التلفزة المغربية، وبين الأهداف التي يجب أن تحققها التلفزة كوسيلة تربية وتوعية وترفيه بَناءٍ في المجتمع، خاصة إذا كانت ذات تمويل عمومي. وهل هي صدفة أن يتجسد هذا التوجه نفسه في كلا القطبين العمومين؟ أم أن الأمر مقصود، خاصة وأنه لوحظ تشجيع الرداءة في إنتاجاتهما خلال العقد الأخير؟

لا يخفى على أحد القدرة التأطيرية والتوجيهية والتأثير الهائل الذي تتميز بها الشاشة أو التلفاز عمومًا، سواءً كان تأثيرًا مباشرًا أو تأثيرًا خفيًا غير مباشر. لذلك تسعى الحكومات والمؤسسات الربحية وغيرها إلى السيطرة عليها وتشكيل ما يطلق عليه بلوبي الإعلام، الذي يسعى بدوره لتمرير أيديولوجية معينة عبر شبكة برامج وتوجهات عامة. وما لا يخفى على أحد في الأونة الأخيرة في المشهد التلفزي المغربي، أن هناك توجهًا عامًا نحو تشجيع الرداءة وتمرير خطاب ركيك، يضرب القيم الإنسانية ويمزق المجتمع المغربي في خصاله التي طالما ميزته. هذا التوجه يقوده لوبي معروف وأوجهه مكشوفة خاصة في القطب الإعلامي الثاني، تمرر ما تشاء وتُبرز في الواجهة من تشاء، دون مراعاة لا للمهنية، ولا للقدرة الابتكارية ولا اللمسة الفنية الأصيلة ولا لذوق المتلقي.

يبدو الهدف من هذا التوجه في ظاهره ربحيًا نظرًا للإقبال المكثف، وهذا ما تعكسه نسب المشاهدة المرتفعة، لكن الأمر في باطنه توجيه مبطن وتحريف لخصال الأسرة المغربية، وتمرير لخطاب العنف وانحلال القيم. فالهدف الربحي يمكن تحقيقه بإنتاجات مبدعة تحترم عقل المشاهد وتوقظ وعيه، وتُرفه عن روحه بأدبٍ وقدرة ابتكارية سليمة، كما كان الحال في إنتاجات أواخر التسعينات وبداية الألفية. لكن منذ أن تولى هذا اللوبي السيطرة أخذت الأمور منحى آخر، وتفتقت قرائح أشخاص تعالت الآنا عندهم بلا حسيب ولا رقيب، وما فتؤوا يتحفوننا يوم بعد آخر بأطنان من التفاهة. ومن ناحية استهلاكية، مادامت هذه الإنتاجات تُستهلك وتحظى بمتابعة جماهرية تعد بالملايين، حسب ماروك متري، سواء المغربية أو المستوردة خاصة التركية، وهذه حجة يستند إليها المسؤولون عن الخط التحريري ليبرروا بها توجهاتهم، لكن إذا ما أخذنا، بعين الاعتبار خصائص المجتمع المغربي الذي يعاني أكثر من ثلثيه من الأمية، وتركز استهلاك الإعلام العمومي في البوادي والضواحي، وأن هناك إنتاجات قيمة وطنية ودولية يتم التغاضي عنها، رغم أنها أثبتت شعبيتها ورضى المتتبعين ولها أهداف بناءة كالتاريخ لي مقروناش، لمروان المحرزي، وأجي تفهم لمصطفى سوينغة، والسلسلة التركية الشهيرة قيامة أرطغرل… ندرك أن هناك استغلالًا من طرف القائمين لهذه العوامل، من أجل مصالحهم الربحية، ومآرب آخرى، تتجلي في شخصنة القطب الإعلامي العمومي من أجل تمرير الإيديولوجية التي يتبنونها بشتى الوسائل الممكنة.

ذهبت الأخلاق والقيم، لن تعود قفشات سي مربوح وأولاده، وحضر (تعواج الفم) والصياح والتهديد. مؤسف حقًا الحال الذي وصلنا إليه، هل هذه حقا سلسلة فكاهية؟ أم أنها تشجيع بالواضح الملموس للتشرميل وانحلال المنظومة الخلقية لدى الشباب المغربي؟ وذلك بعد أن نجح هذا الخط التحريري في هدم قيم الأسرة المغربية، فقد حان الوقت، لردم ما تبقى من بصيص أمل لدى هذا الجيل الشاب، بعد خيبات فشل التعليم والمدارس. أنعيش أزمة إبداع أم أنها أزمة احتكار للمشهد التلفزي يوجهه من شاء كيفما شاء على حساب المشاهد والمال العام، بعيدا عن رقابة المؤسسات المسؤولة وعلى رأسها (الهاكا) ووزارة الاتصال؟

بين الدور البناء الذي يجب أن يلعبه الإعلام العمومي، في زرع القيم والتثقيف والتوجيه الحسن لما فيه الصالح العام للوطن، في تنمية الأخلاق لدى الناشئة، وبسط النموذج الأمثل للأسرة المغربية، ومحاربة الظواهر والآفات المجتمعية بطرق مباشرة وغير مباشرة. وبين الإستغلال البشع لأغراض في نفس يعقوب. اتضح الأثر وأصبح جليًا الشرخ الذي أصاب المجتمع، إنه انهيار منظومة القيم، وكما وضح العالم المهدي المنجرة رحمه الله، بغياب منظومة القيم تفشل المجتمعات في إثبات ذاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد