أيها الراحل، مهلًا! لم تسرع الخطى راحلًا؟! أتعجل بنا أم منا؟! أتسرع خطاك بنا إلى ربك، أم تعجل إليه تشكونا إليه؟! بالله عليك رفقًا! لبثت فينا قليلًا، فلم تعجل؟! ألأنك رأيت منا بخلًا عليك؟! ألأنك رأيت منا همة دون ما أردت؟! ألأنك رأيت منا غفلة عنك؟! بالله عليك رفقًا!

مكثت فينا فآنستنا من وحشة، بقيت معنا فأيقظتنا من غفلة، عشت بيننا فأحييت بنهارك وليلك فينا موتًا ورقدة، فلم العجلة إذن، ولم نكمل بعد صحوتنا؟! بالله عليك رفقًا! ها أنت تأذن بالرحيل، ولم نشبع منك بعد! هلا أبطأت الخطى رفقًا بنا وحنانًا؟! هلا أمهلتنا ومنحتنا وقتًا نحسن فيه وداعك؟! هلا ترفقت بقلوب تعلقت بك حبًّا وعشقًا؟! هلا ترفقت بعيون ذرفت دموعها أنهارًا خوف بعدك، وإلى عودتك شوقًا؟! بالله عليك رفقًا!

أحييت نهارنا صبرًا على الحاجات، صبرًا عن الشهوات، صبرًا مع الطاعات، صبرًا عن السيئات، فأنبت صبرنا زهرًا في القلوب، وراحة في البال وأملًا في حسن المآل، فلم تعجل عنا إذن؟! بالله عليك رفقًا!

أحييت ليلنا شكرًا على الطاعات، ذكرًا مع الصلوات، وجل القلوب في الخلوات، وتوبة عن الغفلات، فوجدنا حلاوة الإيمان تغذي العروق، وتحلو بها الحلوق، ومسكًا يفوح منا شذى كأنه العطر تهديه لنا الورود في ضوء الشروق، فلم تعجل عنا إذن؟! بالله عليك رفقًا!

كم راحت قلوبنا تسبح بين آيات الله: آيات الله في كونه، تشغل العقول تدبرًا، والنفوس تذكرًا، والقلوب معهما تزداد يقينًا بإبداع الصنع والخلق! وآيات الله في كتابه، تلهج بها الشفاه، وتشفي بها الصدور، وتهدى بها الأفئدة، وتطمئن بها القلوب، ويحيا بها الوجدان، ويزداد بها الميزان، فلم تعجل عنا إذن؟! بالله عليك رفقًا!

 

 
كم ركعت أمام ربها القامات! كم سجدت خاشعة في محرابها الجبهات! كم ابتهلت القلوب ورفعت بنبضها الدعوات! كم بكت العيون وبللت جباهها الدمعات! كم سمع أزيز الصدور في الخلوات! كم تسابق الصحب في دعوة الخير والصدقات! كم شهدت بيوت الله تسبيحًا وتهليلاً واستغفار أهل التوب والطاعات! وهز أركانها صوت الذكر والآيات! ثم تعجل علينا؟! بالله عليك رفقًا!

 

إلام تهجرنا؟ إلى أنفس ضعيفة لم تقو إلا معك؟! إلى أرواح تائهة لم تجد سبيلها إلا في رحابك؟! إلى عقول ضلت طريقها في غيرك؟! إلى صحبة لم يضئ صراطها مثل نورك؟! من منهم يملك مفاتيح القلوب كما تفعل؟! بالله عليك رفقًا!

 

هون عليك يا قلب، فلن يرحل! كفكف دموعك واهدأ، فلن يرحل! ولن يسرع عنك الخطى ولن يعجل! جاءك زائرًا، فإن أنت أكرمته فلن يرحل! فلتحي به دومًا، ولن يرحل! صم عن الغفلات، أفطر على الصحوات، ولن يرحل! رطب عينيك في الخلوات، ولن يرحل! لا تكسل عن الطاعات، ولن يرحل! كن كما أنت الآن، ولن يرحل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد