يحل في بلدي السودان شهر رمضان عادةً قبل أوانه بكثير، فقبل شهر أو أكثر من بداية الشهر الفضيل تبدأ التجهيزات له، وتعبقُ شوارع الأحياء السكنية برائحة الحلو مُر الزكية، خصوصًا في الأرياف وبعض مدن السودان المختلفة وأطراف العاصمة الخرطوم، ففي مثل هذا الأيام تنشط تجمعات الحبوبات (الجدات) والأمهات والخالات والعمات من ربات البيوت، سواء كانت تلك التجمعات عائلية أو تجمعات أهالي الحي الذين تربطهم ببعضهم روابط الجيرة والسكن.

في يوم يحدد من قبلهن تتجمع النسوة في منزل إحداهن حتى يتبادلن في الجلوس على بنبر (مقعد) صاج عواسة الحلو مُر فيعاونن بعضهن حتى تلبي كل واحدة منهن حاجتها وكفايتها من الحلو مُر لشهر رمضان؛ فإن كُنت غريبًا -غير سوداني- ومررت بالقرب من منزل يُعاس فيه الحلو مُر لقلت أن حريقًا قد شب في هذا المنزل، خاصةً عندما ترى بأم عينك الدخان الكثيف يتصاعد من التُكل (اسم للمطبخ السوداني القديم)، ولكن عندما تِسترق السمع ستجد أن لا صراخ يخرج من داخله، وسيأتيك صوت النسوة وهن يتجاذبن أطراف الحديث، ويتبادلن الضحكات فيرتفع حاجباك من فرط الدهشة والتعجب! فعيناك التي ترى الدخان المتصاعد تقول إنه حريق، وأُذنك التي تسمع الحكاوي والضحكات تقول إن من يحترق بيته ويكتوي جسده لا تصدر منه مثل تلك الضحكات والحكاوي، وإنما الآهات والصراخ والعويل! وأما إن كُنت -زولًا- سودانيًّا ومررت بجانب منزل يُعاس فيه الحلو مُر؛ ستقف في مكانك برهة من الزمن وتكتفي بأخذ نفس عميق لتجذب رائحة الحلو مر الزكية إلى أنفك، وتستنشقها المرة تلو المرة، فرائحته الزكية لا تقل عن عطر العود وعطر ياسمين الشام حلاوةً، ومن ثم تواصل سيرك إلى وجهتك التي كنت تقصدها.

ففي رمضان لا يخلو منزل في السودان من الحلو مُر مهما كان الوضع الذي يعيش فيه صاحبه، سواء كان يعيش في رغد من العيش، أو في فقر مدقع، وسواء كان يسكن في شرقه، أو غربه، أو شماله، أو وسطه، أو جنوبه الذي انفصل وأصبح دولة قائمة بذاتها تحت اسم دولة جنوب السودان،حتى منازل أولئك السودانيين من المهاجرين والمغتربيين بالخارج هي أيضًا لا تخلو منه! فدائمًا ما تحرص أسرهم وعائلاتهم في السودان على إرساله لهم حتى يكون رمضانهم بنكهة الحلو مُر، ولكي يدل على سودانيتهم بين بقية الأجناس المختلفة من خلال وجوده على موائد إفطارهم.

وليس فقط الحلو مر الذي يتم تجهيزه وإعداده لرمضان باكرًا، ولكن لطبيعة صنعه التي تحتاج لعدة أيام حتى يكون جاهزًا، بداية من غسل الذرة وتزريعها حتى تنبت في جوالات الخيش الرطبة، وتركها تحت أشعة الشمس حتى تجف، ثم طحنها لتصبح دقيقًا، ثم عجنه ليتخمر وتضاف إليه البهارات إلى أن يصبح جاهزًا للعواسة، وبعد أن يُعاس يترك حتى يجف ليصبح جاهزًا للتحضير والشراب.

وتنشط أيضًا في مثل هذه الأيام المباركات الجمعيات والمنظمات الخيرية -من شباب وطني السودان- في جمع التبرعات من الخيّرين لشراء كيس الصائم الذي يحتوي على مواد تموينية ليوزع قبل رمضان على الأُسر الفقيرة والمُتعففة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على قيم المجتمع السوداني التي -هي- في أصلها قيم توادد وتراحم وتكافل.

أما حينما يهل هلال شهر رمضان فذاك شيء آخر؛ فتحل معه البركة والرحمة حتى في تلك الشمس التي كانت قبل قدوم الشهر الفضيل تشوي الوجوه من شدة حرها! فتجدها فجأة كأنها جمرة قد وُضِعت في ماء بارد، وكأن هناك قوة خفية أبطلت مفعول حرارتها تلك، فيعتدل الجو رحمةً من الله بعباده الصائمين.

وفيه تعمر بيوت الله بذكره، وتقام حلقات تلاوة القرآن، وتكثر الزيارات بين الأهل، وتُعد الموائد لتحمل «صواني» الإفطار خارج المنازل في «البرش» المكان الذي يجتمع فيه أهل الحي بالقرب من الشارع، ويضعون عليه طعامهم حتى إذا وجدوا إنسانًا مارًا في الطريق دعوه ليفطر معهم ويحلل صيامه، فالخروج إلى الشارع بصينية الإفطار عادة سودانية أصيلة متوارثة منذ قديم الزمان، جيلًا بعد جيل في جميع أنحاء السودان في المدن والأرياف، فأحيانًا يتم قفل الشوارع والطرقات أمام المارة وسائقي السيارات ليس بحواجز مرورية، ولكن بحواجز بشرية حتى يجبروا سائق كل سيارة على التوقف -وإن كره ذلك- فإن تحجج بأنه على عجلة من أمره ولم يحن وقت الإفطار بعد؛ أعطوه ما يحلل له صيامه في الطريق، وأما إن كان بعد وقت الإفطار فيحضرون له ما يحلل به صيامه -وهو فوق سيارته- وبعدها يسمحون له بالمرور.

تتكون صينية رمضان من أكلات سودانية شعبية معروفة، كالعصيدة، والقراصة، والكسرة، وملاح الويكة، وملاح الروب، وملاح البامية المفروكة، ومن البليلة بجميع أنواعها (العدسية واللوبيا والكبكبي)، ومن التمر، وأما أنواع العصائر التي تحضر فهي: الحلو مُر، والعرديب، والكركدي، والقنقليز (التبلدي)، وبقية الفواكه المعروفة للجميع.

فكما نقول نحن السودانيون تلك المقولة ونرددها دومًا: «رمضان أحلى في السودان»، فهو بالفعل أحلى ولا يطيب لنا الصوم إلا فيه، ولا تصلح حلاوته -تلك- للوصف ولكنها تصلح للتجربة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد