ولدتُ فيه ونشأت تحت سقفه. بيتي لم يعد موجود بعد اليوم على أرض قاتلت حد الموت من أجل الحفاظ على آخر شواهد ذكرياتنا التي مزقها الإرهاب وحطمتها المليشيات، وبعثرها المنتفعون، ودمرها السياسيون الحكوميون.

بيتي، تحول إلى هشيم تذروه الرياح في ملحمة تحرير الرمادي، 80% من المدينة لا يخلو من بصمات تنظيم داعش، منازل وبنى تحتية، دُمرت عن بكرة أبيها، عندما سمعت بهذه النسبة الدموية التي حلت بالمدينة التي تحتضن بيتي لم أكن متفائلا إطلاقا أن يكون بيتي ضمن نسبة الـ 20% التي لم تتضرر بالكامل في عملية التدمير، وليس التحرير، لكن الصور الواردة من مدينة الرمادي بعد التحرير ـ أو بالأصح التدمير ـ صادمة وغير متوقعة إطلاقا، تبين أن الخاسر الوحيد من تحرير الرمادي مركز محافظة الأنبار ـ غرب العراق ـ هم أهل الرمادي أنفسهم، وإن تحررت مدينتهم من قبضة التنظيم، ولكن الجميع يعلم وللتاريخ أن المدينة قد تم إهداؤها على طبقٍ من ذهب الى تنظيم داعش، من قبل الحكومة العراقية؛ بسبب تقويض قوة العشائر والأجهزة الأمنية، بعد صمود دام أكثر من 17 شهرا متواصلا، والسبب وراء ذلك هو انعدام الثقة بين الحكومة، التي لا تصلح لإدارة روضة أطفال، وبين أُناس ابتلوا ببعض من يدعي تمثيلهم في الحكومة، ومن شيوخ عشائر افتراضيين لا أصل ولا فصل ولا مكان لهم من الإعراب، سوى ولائهم المطلق لأعداء العراق.

بيتي، الذي ولدت فيه، وماتت أحلامي تحت بقايا أنقاضه، لكن لا يمكن لحقد الطغاة وجشع المنتفعين من الأزمات أن يمحو ذكرياتي التي تجاوزت العقدين من الزمن فيه.

أصعب شعور لدى الإنسان أن يفقد كل ما يملك دون ذنب أو خطيئة!

بيتي الذي تم نفيه من الوجود الجغرافي، لم يكن أعلى طموحات المخطط المرسوم بحقد على مدينتي، تفجير البيوت وتدمير البنى التحتية بالكامل، وقتل أكبر عدد ممكن من ساكني المنطقة الغربية في العراق، وتهجير الجميع، دون استثناء، وتجويع الأطفال والنساء وكبار السن، والعمل على إفقار وقهر المجتمع، وحملة التجهيل المتعمد لجيل كامل، دون ذنب اقترفه، هذا هو الهدف المنشود، المؤامرة كبيرة، ولا يمكن معرفة حجمها؛ بسبب الأحداث المتسارعة على الأرض، إلا أن الضحايا معروف عددهم، وهم حوالي نصف مليون نسمة.

نصيحة من صاحب تجربة، بعد أن تشعر بالضعف داخل بلدك، وعدم الانتماء لأي سبب يذكر، غادر فورا، حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى الجحيم؛ لكي لا تكون عدوا لوطنك، إذ يصبح لا قيمة للوطن الذي يحتضن ـ بعز ـ المجرمين والسراق، ويذل فيه المواطن البسيط الشريف، لا معنى للعيش في بلد يحكمه جهلة في العلم والتخطيط والثقافة، لاقيمة للعيش في وطن تسوده الهمجية، وأشخاص لا يمتلكون السيطرة حتى على منازلهم، لامعنى للعيش في وطن فيه لغة القانون معدومة إطلاقا، وطنك ما احتواك، وليس ما يتفنن في إذلالك.

إن الفروسية والشجاعة في الحروب تُكتسب من ساحات القتال، ومنازلة الرجال في الميادين، ونزالهم وجها لوجه، وليست الرجولة الاحتماء بالدبابات أو القصف بالمدافع والراجمات من على بعد عشرات الكيلومترات.

إن تفخيخ البيوت وتفجيرها أو قصفها بالطائرات والمدافع، لن يسقط رمزية المكان، مهما حاول أصحاب النفوس الضعيفة والمشاريع التدميرية مدفوعة الثمن.

ستعود عقارب الساعة إلى الوراء، وسيكشف التاريخ كل من عبث بمقدرات المدنيين في مدينة الرمادي، وسترجم قبورهم وسيورثون الخزي والعار لأحفادهم، وسيعود بيتي أحسن من السابق يوما ما؛ ليفرق ويمزق الأعداء مهما كانوا، وستبقى رمزية الأماكن خالدة في القلوب والوجدان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد