أعرف جيدًا، أنني لست الأول في التحدث عن هذا الموضوع، ولكن كوني أحد المغتربين عن بلادهم لأحد الأغراض الحياتية أستطيع التوضيح لكم أكثر عن الاغتراب؛ كيف أنه على مر الأيام يعد كالحبل الذي يلتف تدريجيا على رقبة المغترب!؛ كيف أن هؤلاء تحملوا كل هذه المعاناة من أجل بعض الأهداف في نظرهم!، منهم من تغرب بإرادته من أجل تعليمه ومن أجل «لقمة العيش» كما يقول البعض؛ ومنهم من خرج أسفًا مضطرًا من وطنه بسبب السياسات الفاشلة التي سيطرت على مجتمعاتنا؛ وأخيرًا منهم من خرج من وطنه لأنه لم يصبح هناك وطن.

تعرفُ كلمة غُرْبة في معاجم اللغة العربية؛ بأنّها مصدر مشتق من الفعل الثلاثي غرب أي بَعُد وصار غريبًا، فنقول: طالت غربة فلان أي طال زمن بعده عن أهله وناسه ووطنه، ونقول: فقد الأحبة غُربة؛ أي أنّ من فقد أحبته صارَ غريبًا بين النّاس وإن لم يفارق وطنه؛ فالغربةُ تحمل معاني البعد عن الوطن ولكنّها تشملُ جميع معاني الوحشة والإحساس بالغربة والنّوى حتى بين أحضان الوطن والأهل.

سألت 50 مغتربًا  من الجنسيات (المصرية – السورية – اليمنية – الفلسطينية ) بعض الأسئلة، التي تدور حول ثلاثة محاور:

– الغربة.

– رمضان في الغربة.

– رمضان والكورونا في الغربة.

بلاد الإقامة كانت مختلفة تنوعت بين تركيا والسعودية والبحرين والامارات والاتحاد الأوروبي؛ أكثر من 90% منهم، أن الغربة ما هي إلا آلام تنهك الجسد ويفنى بها العمر، كيف تلك الأيام مع مرورها ما هي إلا عمر ينقص من حياة المغترب، هذا حال المغترب بإرادته فما بالك بحال من خرج مرغمًا عن أنفه من وطنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لنا خير قدوة وهو يخرج من مكة ينظر إليها ويقول لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت!، وهذا حال من خرج مرغمًا عن أنفه والله لو لم يخرجوهم منها ما خرجوا.

الأعمار كانت ما بين الثامنة عشرة وما بعد الستين، سنوات الغربة كانت ما بين الأشهر القليلة إلى الأربعين عامًا بعيدون عن أوطانهم؛ فما شعر به صاحب الأشهر القليلة كان لا يقل عن ما شعر به صاحب الأربعين عامًا كل ما فرق أن صاحب الأربعين عامًا تأقلم على مرارة الغربة.

كانت نسبة من يسكن مع الأهل قرابة 40% ومن يسكنون مع الأصدقاء قرابة 30% ومن يسكنون منفردين قرابة 30%.
كانت المشاكل التي تواجههم كالآتي:

– 70 % من العينة تواجههم المشاكل النفسية.

– 48 % من العينة تواجههم مشاكل مادية.

– 30 % من العينة تواجههم مشاكل عاطفية.

– 40 % من العينة تواجههم مشكلة الشعور بالوحدة.

– 6 % من العينة فقط لا تواجههم مشاكل في الغربة.

بدراسة الإجابة فرادى 30 % منهم يعانون من المشاكل المادية والنفسية وشعورهم بالوحدة فلا آن واحد!

وبعد سؤالهم عن ماذا تعني الغربة بالنسبة لك؛ بعضهم وصفها بأنها مدرسة ووصفها بعضهم بأنها تجربة ولكن نسبتهم لم تتعد 6% وبدأت السلبيات.

وصفها أحدهم بانها كربة، ووصفها آخر بالإرهاق، ووصفها آخر بقلة الأمان، ووصفها الآخر بالقبر، وكانت من أصعب التعبيرات.

– أن تشعر أنك في مكان ولكن قلبك وجوارحك وعقلك وتفكيرك ليس في هذا المكان.

– تشبه وضع البذرة في تربة غير صالحة للزرع.

– إن الغريب ذليل حيث ما كان!

رمضان في الغربة

في بعض البلدان العربية يكون لرمضان عادات خاصة بداية من زينة الشوارع وفوانيس رمضان، مرورًا بموائد الرحمن والإفطار مع الأهل وصولا لصلاة التراويح وصوت المكبرات وهي تصدح بأجمل الأصوات والقراءات، ورغم وجود نسبة منهم في بعض البلدان العربية؛ إلا أنه يفتقد مظاهر وعادات هذا الشهر الكريم في وطنه.

وبسؤالهم عن ماذا تفتقد في رمضان:

– 84 % افتقدوا الأجواء الرمضانية الخاصة ببلادهم.

– 54 % افتقدوا صلاة التراويح وصوت مكبرات الجوامع.

– 62 % افتقدوا تجمع الإفطار مع الأهل.

– 60 % افتقدوا التجمعات العائلية.

– 52 % افتقدوا تجمعات الاصدقاء.

– 2 % فقط وهو شخص واحد وجد أنه لا يوجد مشكلة بالنسبة لديه، وأنه وجد تلك الأجواء في البلد التي يقيم بها.

وبدراسة الإجابات فرادى وجدت أنه أكثر من 50 % مشتركون فيهم جميعا و84 % اكتفوا بذكر أنهم يفتقدون الأجواء الرمضانية، فمنهم من يتمنى أن يأتي الأذان وهو جالس مع أسرته على طاولة إفطار واحدة؛ وبعدها الذهاب مجتمعين معا لصلاة التراويح والبسمة تعلو وجوههم واستيقاظهم معا للسحور ففي وقت متأخر من الليل والفرحة التي كانت لا تفارق العائلة.

رمضان والكورونا في الغربة

ومع دخول شهر رمضان المبارك؛ جاءت الكورونا ففرقت بين الصديق والرفيق؛ بيت الله الحرام الذي كان في هذا الشهر لا تجد موطئًا لقدمك فيه؛ أصبح كمعظم المساجد في صلاة الظهر؛ لا يدخله إلا من يعمل بها، منعنا الوباء من صلاة الجماعة؛ منعنا عن عمرة رمضان التي ينتظرها البعض من عام إلى عام؛ منعنا عن أصوات البلابل التي كانت تصدح من مكبرات الجوامع، فما بالك بحال المغترب في هذا الزمان.

وبسؤال الخمسين مغتربًا «هل أثر الوضع الحالي عليكم؟»:

أجاب 72 % بنعم!، 36 من الخمسين تأثروا بالوضع الحالي، و18 % قالوا ربما أثرت.
تقريبا أربعون شخصًا من الخمسين أثر عليهم الوضع الحالي بشكل أو بآخر.

وبسؤالهم عن مدى التأثير أجاب:

– 82 % من الأربعين أن التأثير كان نفسيًا.
– 44 % من الأربعين أن التأثير كان ماديًا.
– 10 % من الأربعين أن التأثير كان عاطفيًا.

بدراسة الإجابات فرادى..

40 % من الأربعين كان يعانون من المشاكل المادية والنفسية؛ منهم 25 % يعانون من المشاكل المادية والنفسية والعاطفية في آن واحد، وهذا يدل أن المشاكل المادية يمكن أن تكون سببًا في المشاكل النفسية والعاطفية.

وبعد سؤال الخمسين مغتربًا عن ماذا تتمنى أن يتغير في الوضع الحالي:
منهم من تمنى زوال كابوس الغربة قبل زوال الأزمة الحالية؛ ومنهم من تمنى زوال الأزمة الحالية ومنهم من تمنى بعودة كل شيء إلى ما كان عليه ولكن منهم من تمنى.

– أن تتغير قلوب الناس.
– تفتح المساجد وتعود الجماعة.
– وأخيرا من قال «كل شيء».

في ختام هذا الموضوع ما يسعنى إلا أن أقول ان الغربة ما هي إلا كالمرض المزمن يصيب الروح قبل الجسد، يصيب النفس قبل الشخص، يصيب القلب قبل العقل وكما قال الشاعر:

                            لا ترغبوا إخوتي في غربة أبدًا … إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد