سنفطر في القدس، عاصمة فلسطين.. كان هذا عنوانًا لأنشودة جاءت في إعلان شركة زين للاتصالات لرمضان 2018 لتعبر بنا آلاف الأميال فوق واقع الأمة الإسلامية وما آلت إليه أحوالها، وهي تستقبل هذا الشهر الكريم.

كلمات الكاتبة الكويتية هبة مشاري حمادة، مست القلوب، وفضحت رغم بساطتها سياسات المتشدقين بالحرية وحقوق الإنسان من زعماء وقادة الدول الكبرى.

كلمات سهلة بسيطة في الشكل، وعميقة في المعنى، ونقلت لنا من خلال العمل الفني الذي قام بإخراجه المبدع سمير عبود صورًا ومشاهد واقعية درامية متلاحقة تجلت في هذا الطفل المسلم البريء الذي يرغب في مخاطبة الزعماء  قادة العالم للإفطار.. سيدي الرئيس.. أنت مدعو على الإفطار، لكن أين ستكون الدعوة التي تليق بكم وأنتم الساسة والزعماء والقادة، إذا وجدت بيتي في الدمار. في إشارة واضحة رغم رمزيتها إلى الصراعات والحروب التي حولت بلادنا إلى ركام وشعوبنا إلى نازحين ومهاجرين.

وتلعب الصورة دورًا بالغًا في رسم الكلمات من خلال المشهد السهل الممتنع في تصوير الضحايا من اللاجئين الغارقين في الأمواج والباحثين عن الحياة بخوض طرق الموت بعدما انقطعت أمامهم السبل وسدت في وجوههم الطرق، يلجأون إلى الطرف الآخر من الشاطئ والجانب الآخر من الحدود، من أجل فرصة للوجود، ومن أجل ذلك تقف أمي في الطوابير لتجد لنا كسرة خبز حتى لا نهلك جوعًا. وعادت أمي من الطابور، بخبزٍ وقلبٍ مكسور.

هذه المآسي فقط تواجه الملايين من المسلمين، وبلادهم التي لا تقتصر على المساجد فهم جيران في الله شركاء في الإنسانية، وأذنت مساجد.. ورنت الكنائس.. جيران في الله.. أبواب بلا حارس.

ووصلت مراكب الموت، التي تحمل المهاجرين الفارين من الجحيم، إلى أرض الأحلام. وقد سقط منهم المئات والآلاف غرقًا وهلاكًا، دون أن يصبح الأطفال منهم قضية رأي عام.

ويعاود الدعوة والنداء: سيدي الرئيس.. أنا لا أنام. ذاكرًا السبب في هذه المعاناة من انعدام الأمن واستمرار الحرب: كلما أغمضت عيني، أسمع انفجارًا، ولا يقتصر أذى هذه الانفجارات على دوي صوتها، وإنما ما تخلفه من الدمار والخراب لكل ما حولها، في قلب البيوت ومضاجع الصغار فتحولها جحيمًا، ويشتعل سريري، دخانًا ونار، وهنا صورة أخرى لما يصيب الأطفال من توابع نفسية تؤثر على خيالهم البريء النقي فتحوله أشباحًا وفزعًا من كل شيء يحيط بهم حتى الأبواب التي يفتحها المستغيث ليخرج الى الأمن تتحول لمزيد من المعاناة والخوف (من باب الدولاب) فتبكي الأغاني.. وتنزف الألعاب.

سيدي الرئيس.. وهي كلمة مألوفة ومعتادة في المحافل والمراسم.. تنزف الألعاب.. جملة ترفع واقعًا يفوق الخيال، إذ امتدت هذه المجازر بكل ما يحيط بالأطفال، حتى ألعابهم، ومن المعتاد أن يكون الطفل ملاصقًا ومرتبطًا بألعابه، يصاحبها ويحادثها ويلهو بها، ويشكو إليها ويستنطقها أحيانًا.

سيدي الرئيس.. نحن الهاربون.. نحن المبعدون عن أوطاننا.. نحن المذنبون دون ذنب أو جناية، فكيف للطفل أن يذنب وهو لا يملك من أمره شيئًا؟!

نحن المتهمون! بالعبادة.. فالحرب على الإرهاب الإسلامي المزعوم حولت بلادنا خرابًا وديارنا أنقاضًا، وأهلنا مهجرون وفارون ولاجئون، لا يلفتون انتباهًا لهذا العالم، ولايوقظ ضميره ما يقع عليهم من المآسي والأهوال والأخطار، نحن المحكومون شنقًا.. بالإبادة.. الذين قطعت ألسنتنا.. لأنها نطقت.. بالشهادة.

سيدي الرئيس.. يا من افتتحت دولتكم سفارتها في القدس واعتبرتها عاصمة لكيان محتل غاصب تزامنًا مع دخول شهر رمضان الكريم، سنفطر في القدس.. عاصمة فلسطين؛ لأنها الحقيقة التي يستحيل طمسها، والحق العائد حتمًا لأصحابه وإن طال بهم الزمن، وقست عليهم القلوب، يكتبها رب الأمنيات العالقة، بين يا ليت وآمين، لأصحاب العزم والرغبة الصادقة واليقين.. سنفطر في القدس.. عاصمة فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد