أثيرت مؤخرًا قضية تمثال رمسيس الثاني بمتحف سوهاج القومي، وتثبيت رأسه بالمسامير المعدنية، وكان للصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي آثارًا سلبية في المواطنين الذين عبروا عن استيائهم بالسخرية والانتقاد، وقد كان من الممكن احتواء الأمر، لو كان هناك شفافية لدى المسؤولين، ولكن وكالعادة جاءت تصريحاتهم متسرعة ومتناقضة في الوقت ذاته، فها هو محافظ سوهاج يصرح – وبكل بساطة- أمام وسائل الإعلام بأن التمثال ما هو إلا نسخة مقلدة كغيره من القطع الموجودة بالمتحف، ولم يتراجع عن تصريحه، رغم إعلان وزارة الآثار لاحقًا – وهي المسؤول الفعلي- أن التمثال أصلي وليس مقلدًا، كما أعلنت الوزارة – في محاولة لرفع الحرج عنها- أن هذا المنظر المتداول للتمثال لم يكن موجودًا عند افتتاح المتحف قبل أربعة أشهر!

أما رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى – والذي تقع آثار سوهاج في نطاق سلطته المباشرة- فقد أعلن أن وزارة الآثار تتحقق من صحة الصور المنشورة، وأشار إلى قيامه بزيارة المتحف مؤخرًا وأنه لم يلحظ هذا المنظر، كما أوضح أنه إذا تأكد من تثبيت التمثال بهذه الطريقة فإن هذا الأمر يعد تشويهًا للتمثال! هذا في الوقت الذي قالت فيه رئيس قطاع المتاحف بوزارة الآثار المصرية: إن هذا الإجراء متبع في العرض المتحفي، ولا توجد أي مشكلة في تثبيت بعض القطع الأثرية الضخمة والثقيلة بهذه الطريقة، وبررت ذلك بأن رأس التمثال يزن أكثر من ربع طُن، وأن المعدن المستخدم في التثبيت هو معدن الرصاص، ويستخدم بطريقة فنية معينة! فمن منهما يصدقه المصريون؟!

والحقيقة – كما يعلمها خبراء المتاحف والمختصون- أن تثبيت التمثال بهذه الطريقة يتنافى مع كل الأصول المتعارف عليها للعرض المتحفي، كما أنها تعد تشويهًا للأثر، وإخلالًا بمعايير العرض المتحفي، بل مع مرور الوقت سيؤدي استخدام المسامير بهذه الطريقة إلى تهشم بعض أجزاء من الرأس، وخاصة إذا صدأ المعدن المستخدم في التثبيت، أو تآكل بمرور الوقت، ولذا فقد كان من الممكن تثبيت رأس تمثال رمسيس الثاني عن طريق صناعة دعامات حجرية أو ملاصقة لجدار ثابت، أو وضع الرأس داخل مكان عرض مغلق في ظروف جوية مناسبة.

وجدير بالذكر، أن متحف سوهاج القومي أنشئ على الضفة الشرقية لنهر النيل، على مساحة 5 آلاف متر مربع، وبتكلفة إجمالية بلغت 72 مليون جنيه، وافتتح في أغسطس (آب) 2018 وسط دعاية إعلامية كبرى، ويحتوي على 6 آلاف قطعة أثرية.

ولم يكن تمثال رمسيس الثاني بمتحف سوهاج، هو الوحيد الذي يُعرض بهذه الطريقة العجيبة، ففي المتحف المصري بالتحرير، ذلك المبنى العريق الذي أنشئ عام 1902، والذي يحوي أكثر من 120 ألف قطعة أثرية، يوجد به – للأسف الشديد- عشرات القطع مثبتة بمسامير ودعامات حديدية ووصلات نحاسية وغيرها من طرق التثبيت البدائية، ومؤخرًا كشفت جريدة «الوطن» المصرية من خلال جولة لها داخل متحف التحرير؛ حجم المأساة التي كان ضحيتها تمثال من أهم تماثيل المتحف، تمثال لملك من أهم ملوك الدولة الحديثة بمصر الفرعونية، فداخل قاعة أخناتون يُشاهد تمثاله – الذي حير العالم لتجسيده في جسد أنثى- وهو مثبت بدعامات حديدية ضخمة، وكذا الأمر في قاعة الدولة القديمة حيث يوجد ثلاثة تماثيل مثبتة بالطريقة نفسها المثبت بها تمثال سوهاج، بل إن بعض التماثيل الأخرى بالمتحف ما تزال على وضعها منذ إنشائه.

ولذا وجب على المسؤولين مراعاة هذا الأمر، فمن الملاحظ – وبشكل عام- أن زيارات السياحة للمتاحف الأثرية تتناقص يومًا بعد يوم خلال السنوات الأخيرة، هذا بالرغم من التسارع في إنشاء متاحف جديدة أو إعادة افتتاح متاحف أخرى كانت مغلقة، كما يجب أن يعي المسؤولون أن مهام المتاحف وأساليب العرض وطرائقه لا تتوقف عند آلية معينة، فالتطور في هذا المجال مستمر، ولذا وجب علينا أن نواكب هذه التغيرات المتسارعة التي تحيط بنا، وخاصة أننا نملك تراثًا فريدًا يعشقه العالم أجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد