هل تشعرُ بانتماءٍ حقيقيّ لما أنتَ عليه الآنَ، والذي هو في الأساسِ بِناءً على اختياراتِك التي قُمتَ باختيارِها منذُ أعوامٍ عديدة؟ أم تعتقد بأنَّكَ الآنَ لا تَمُتُّ بآيةِ صلةٍ لذلك الشخص الذي قامَ بهذه الاختياراتِ قبلَ ذلك؟ هل تأمَّلتَ يومًا في حجمِ العواقب التي سيكونُ عليكَ مواجهتها إذا قُمتَ بمحاولةِ التخلُّصِ من قراراتٍ معينة قد اتخذتها قبلَ خمسةِ أو 10 أعوام لأنك لا تعتقد أنها تُلائِمُكَ الآن؟ بمعنى آخر.. هل نتسامحُ نحنُ وتتسامح مُجتمعاتُنا الشرقية مع فكرةِ أننا نتغير بمرورِ الوقتِ ونُصبِحُ غيرَ ما كنا عليه وعلينا أن نتَّخذَ قرارتً أُخرى حتى نستطيعَ التكيُّف مع شخصياتِنا ورغباتِنا ومعتقداتِنا ورؤانا الجديدة؟

هذا ما يراهُ دانييل غيلبرت، الكاتبُ وأستاذ علم النفس بجامعة هارڤارد بالولايات المتحدة الأمريكية. إذ يرى أن شخصياتنا تتغير تمامًا بمرور الوقت، حتى أننا ربما وبعدَ خمسةِ أو 10 أعوامٍ من هذه اللحظة، لن يمكننا التعرف في الأساس على الشخصيات التي نحنُ عليها الآن، إلَّا أننا لا يمكننا تخيل ذلك في اللحظةِ الحالية، أي أننا دائمًا ما نعتقد بأننا نضجنا إلى أن وصلنا إلى هُنا، ومن هُنا لن نتحرَّك بعيدًا في المستقبل، وأنَّ ما سيطرأ علينا من تغيُّر في طريقتِنا في التفكيرِ أو طريقة تفاعلنا مع الحياةِ من حولنا، لن يكونَ تغيُّرًا محوريًّا، وإنما تغيّرًا ثانويًا لا أكثر، فنحنُ نُدرِكُ أننا تغيرنا كثيرًا في الماضي، إلا أنَّنا نرى دائمًا أن تغيُّرنا في الُمستقبَلِ هو أمرٌ مستبعد. وهو في الحقيقةِ غير مُستبعَد، بل يحدُث دومًا، وسيحدثُ أبدًا.

ربما يرى البعض – وفقًا للطرح السابِق – إذ طالما أننا نتغيَّرُ دومًا، فَلا مفرّ إذًا من فكرةِ أننا سنقومُ باتِّخاذِ قراراتٍ معينةٍ في حياتِنا، ونُدرِكُ خطأّها بعدَ ذلك، ونعملُ على تصحيحِه، وبذلك فنحنُ ننتهجُ فكرةَ التعلُّم عن طريقِ «التجربةِ والخطأ» وهو ما أراهُ منطقيًا، إذ أننا مهما حاولنا أن نُقلِّلَ من فكرةِ اتخاذنا قراراتٍ خاطئة أو غيرِ مُناسبةٍ في حياتِنا، سيكونُ مستحيلًا أن نمنعَ ذلك من الحدوث. لكن ماذا لو أنَّ «الخطأ» الذي يتضمّنه منهج التعلُّم عن طريقِ «التجربةِ والخطأ» كان باهظَ الثمن ويُفسِدُ علينا ما لا يمكننا إصلاحَه؟ وماذا مثلًا لو أنَّ تلك القراراتِ الخاطئةِ، أو التي لن تُناسبنا مُستقبلًا، والتي سيكونُ علينا العدولَ عنها بعدَ ذلك، تتعلَّق بأشخاصٍ آخرين وبمشاعرِهِم؟ هل سيكونُ علينا حينذاكَ أن نتَّخذ من هؤلاءِ الأشخاصِ ومن مشاعرِهِم فئرانًا لتَجارُبِنا نحو التعلَّم؟

هذا ما ناقشه دانييل غيلبرت في مُحاضرةٍ بعنوان: «Prisoners of Now» أو (حبيسي الحاضر) ألقاها في شهرِ مايو (أيار) لعامِ 2019، والتي من خلالِها قدَّم بعض الأسباب التي تجعلنا عُرضةً لاتّخاذِ كل هذه القرارات المصيرية، والتي نُدرِكُ بعدَ ذلك أنها لا تُناسِبُنا، مُناقشًا فكرة إمكاننا أن نقومَ بتقليلِ احتمالاتِ ذلك، وحتَّى نستطيعَ ذلك، علينا أولًا أن نُدرِكَ لماذا نتَّخذ كل هذه القرارات الخاطئة أو غير المُناسبة في حياتِنا؟ يُرجِع غيلبرت ذلك إلى أننا نتأثَّرُ بالحاضرِ وباللحظةِ التي نعيشُها حينَ نكونُ بصدَدِ تقريرِ شيءٍ ما يتجاوزُ ذلك الحاضر وتلك اللحظة الآنية إلى المُستقبلِ القريبِ أو البعيد. فالإنسان حين يعيشُ تجربةً معينة يستغرِقُ فيها تمامًا ويغفل كل الاختيارات الأُخرى المُتاحة، وهو ما أشار إليه بمفهومِ أننا «حبيسين ذلك الحاضر» الذي نقرر من خلالِ مُعطياتِه ما نريدُه مُستقبلًا، وهو ما يجعلنا نرى بعدَ أيامٍ أو أسابيعٍ أو أعوامٍ أنَّ ذلك كله لا يتناسبُ معنا، وأننا في الحقيقَةِ لا ننتمي إليه، وأننا قُمنا بالتفريطِ في اختياراتٍ أُخرى كانت مُتاحة ولم يَكُن علينا التفريطَ فيها تبعًا فقط لما نمرُّ به وما نشعرُ بهِ في اللحظةِ الحالية.

في صدَدِ جَعلِ هذه الفكرةِ أكثر وضوحًا، ناقش غيلبرت تجربةً قامَ بها باحثون من جامعة «هارڤارد» على سلوكِ بعضِ الأفراد الذينَ كانوا بصدِدِ دخولِ مول تجاري من أجلِ التسوُّق، وقد قامَ الباحثون بتقسيمِ هؤلاءِ الأفرادِ إلى فئتين، فئةً تضم الأفراد الذين يمتلكون قائمة – مُعدّة مُسبقًا – بالبضائع التي سيحتاجونَ إليها على مدارِ الأسبوع التالي، والفئة الأخرى تضم من قاموا بالذهابِ إلى التسوق من أجلِ شراء البضائع التي سيحتاجونها للأسبوع التالي أيضًا، ولكن بشكلٍ عشوائيّ ومن دونِ قائمةٍ مُعدَّةٍ بشكلٍ مُسبَق. ثم قامَ الباحثون بمقابلة الأفرادِ عندَ باب المول التجاري، وتم اختيار الأفراد الذين كانوا يشعرونَ بالجوعِ في لحظة دخولهم المول من الفئتين، وقامَ الباحثون بتقديم الطعام إلى بعض الأفراد الذين يشعرون بالجوع من الفئةِ الأولى ومن الفئةِ الثانية، حتى الشبَع، ومن ثَمَّ سمحوا لهم بعدها بالدخولِ إلى المول. غيرَ أنَّهم سمحوا للبعضِ الآخر من الذين يشعرون بالجوع من الفئتين بالدخولِ إلى المول من دونِ تقديمِ طعامٍ لهم.

حينَ انتهى الأفراد من التسوق، قام الباحثونَ بالنظرٍ في البضائع التي قاموا بشرائِها، ليجدَ الباحثون أن هناك اختلافًا كبيرًا بينَ الأفراد من الفئة الثانية والذين لم يكونوا يمتلكون قائمة معدة مسبقًا للبضائع التي يحتاجونها، فمن قامَ منهم بتناول الطعام قبلَ دخوله إلى المول، لم يشترِ سوى القليل من المواد الغذائية والتي لا يمكن أن تكفي استهلاكَه للأسبوع التالي، بينما الذين لم يتناولوا أيَّ طعامٍ قد اشتروا موادًا غذائية لا يمكن أن تكونَ للأسبوع التالي فقط! في حين أن أفرادَ الفئة الأولى، والتي كانت تمتلك قائمة مُعدَّة مُسبقًا، لم يختلف ما قاموا بشرائِه عمَّا كانَ في القائمة سواء تناولوا طعامًا قبلَ دخولِهم للتسوق أو دخلوا وهم يشعرونَ بالجوع.

ليصلَ الباحثونَ بذلك إلى النتيجة، وهي أن إحساس الشبع أو الجوع كانَ له تأثيرًا كبيرًا على سلوكِ من قاموا بالتسوق بشكلٍ عشوائيّ وعلى شرائِهم لما يحتاجونَ من بضائع، حيثُ أنَّهم لم يستطيعوا تجاوز ذلك الشعور اللحظي، ولم يستطيعوا تجاوز حاضرهُم والنظر بشكلٍ مُحايد إلى مستقبلهم واحتياجاتهم للأسبوع التالي. أمَّا من كانوا يمتلكون قائمة مُعدَّة بشكلٍ مُسبَق لم يؤثر الإحساس بالجوع أو بالشبع على سلوكِهِم في التسوق بأيِّة حال، ولم يؤثر على قراراتِهم والتي تتجاوز اللحظة الحالية ممتدةً إلى الأسبوع التالي كله.

هكذا نحن، لو أننا نقومُ بتسوُّقِ قراراتِنا بشكلٍ عشوائيٍّ وليد اللحظةِ والحاضرِ وما نشعرُ بهِ الآن، ومن دونِ خُطَّةٍ مُسبقةٍ لما نريدُه لأنفُسنا في الأعوامِ القادمة ولما نريدُ أن تكونَ شكل حياتنا عليه، ومن دونِ تصوُّرٍ حقيقيٍّ وكامل لما نحتاجُه بالضبطِ من أجلِ تحقيقِ تلك الخُطّة، فإننا سنكونُ أكثر احتمالًا لاتخاذِ قراراتٍ لحظيّةٍ تؤثر على شكلِ حياتِنا في المستقبل بما لا يُشبِهُنا، وبما لا ننتمي، ولا نُريد. فالسبيلُ الوحيدُ لزيادةِ احتمالاتِ اتخاذِنا قراراتٍ أكثر دقة، هي أن نمتلكَ خُطَّةً واضحةً للمستقبل، والأهم من ذلك هي ألَّا نسمحَ لانشغالِنا بالتجارب العَرَضيّة التي نمرُ بها خلالَ أيَّامنا أن تجعلنا نغفل عن الخُطّة الرئيسة التي وضعناها بشكلٍ مُسبَقٍ ومُحايد.

وبذلك فتعودُ بنا نهايةُ المقالِ إلى بدايتِه. كلُّ ما طرحناهُ هي مجرَّدُ وسائلٍ تُزيد من احتمالات ألا نتخذ قراراتٍ مصيريّةٍ بشكلٍ خاطئ فيكونُ علينا عبء التخلُّص منها مستقبلًا، إلا أننا وكما أوضحنا في البداية، نتغيَّر بمرورِ الأعوام، وقد نتغير تمامًا إلى حدِّ تغيُّرِ الخُطط التي وضعناها بشكلٍ مُسبَقٍ من الأساس، فعلم النفس والعلوم الإنسانيةِ عامةً لا يمكن أن تخضع لقوانين العلوم الطبيعية ولا للتجارب المعمليّة، إذ إن كل تلك التجاربِ والمحاولات البحثية والاستنتاجات التي طرحناها قد لا تنجح في حالاتٍ عديدة، فقد أضع خُطَّةً للأعوامِ العشرِ القادمة، وبعدَ عامين أتغيَّرُ وتتغير الخُطّة ذاتِها. لذلك فنحنُ نُطلِقُ عليها محاولات ووسائل مُساعدة تقلل من احتمالاتٍ معينة. لكننا في الحقيقةِ يجبُ علينا أن نرى ما يراهُ غيلبرت من حقيقةِ تغيُّرِنا على مدارِ الأعوام. يجبُ على مجتمعاتُنا الشرقية أن تتسامح مع فكرة أننا يمكنُ أن نتغيَّر بعدَ أعوامٍ إلى حدِّ أننا لا نستطيعُ التعرف على شخصياتِنا التي كُنَّا عليها، وإلى حد أننا سنحتاجُ إلى التخلُّصِ من قراراتٍ قُمنا باتخاذِها مُسبقًا لم تَعُد تُلائمُنا، وعلى المُجتمع أن يكفَّ عن وصفِ من يقومُ بذلك بالفشلِ أو العشوائيةِ أو الصبيانيّة أو الهروب. كُلُّ ما في الأمرِ أنني لم أَعُد أنا. لم أعُد ما كنتُ عليه. تِلكَ هي المسألة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد