(1)

صامتًا، شاردًا، جاحظ العينين، انصهر عند رؤية شعرها الواحدة تلو الأخرى تتسلل من تحت حجابها؟ إذا كنتم تحسبون هذه خطيئة؟ أعليَ أم عليها؟ نعم عليها، فهي التي أذهبت عقلي، ما ذنبي أنا؟

قرأت أن زوجة جابرييل جارسيا ماركيز عندما كانت تلاحظ أن زوجها يسترق النظر إلى امرأة جميلة تجلس بجوارهم كانت تتركه، لأنها متأكدة أنه بمجرد انتهائه فسيخرج الجمال فيما يكتب ويقص! فهي تفهم ما هو الإلهام.

ولنا في الشاعر نزار قباني خير مثال، فلقد رثى زوجته بقصيدته الشهيرة «بلقيس» على اسم زوجته التي توفيت في تفجير استهدف السفارة العراقية في بيروت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

بلقيسُ..

أيَّتها الشهيدةُ.. والقصيدةُ

والمُطَهَّرَةُ النقيَّةْ

سَبَـأٌ تفتِّشُ عن مَلِيكَتِهَا

فرُدِّي للجماهيرِ التحيَّةْ

يا أعظمَ المَلِكَاتِ..

يا امرأةً تُجَسِّدُ كلَّ أمجادِ العصورِ السُومَرِيَّةْ

بلقيسُ..

يا عصفورتي الأحلى

ويا أَيْقُونتي الأَغْلَى

ويا دَمْعًَا تناثرَ فوق خَدِّ المجدليَّةْ

يمكنكم سماع القصيدة كاملة بإلقاء الشاعر نفسه ذاته، حيث استهل القصيدة ببداية رائعة تجعلك من أول كلمة متعايشًا فيها وآسفًا عليها. 

(2)

دينيًا، بالتأكيد تعرف أكثر مني ماذا يقال عند التحدث عن الحب والزواج، فلن أخوض في ذلك، كما أنني لست هنا لأتحدث عن حبيبتك أترتدي الحجاب أم لا؟ ولا عن حماتك التي ستعاملك كابنها وتطعمك كقطتها فهل يجوز مناداتك لها بـ«ماما»؟ ولا عن عمرك الذي سيفنى أو أحلامك التي ستصل إليها على الأغلب في نفس اللحظة التي يقوم فيها أحدهم بخطف جوهرتك التي طالما أحببتها.

أنا هنا للتحدث عن نفسك وعني أيضًا. كونك تقرأ ما كتبته أنا فهذا لا يعني بأني أفضل منك شيئًا، فبالتأكيد أنت أكثر مني ذكاءً وشجاعة. ولكنك تشاركني هذه اللحظة الملعونة.

(3)

يقول لنا العلم عن هذا المرض المختلف في ذاته وعلاجه، والذي إذا تمكن واستحكم عمي عنه الأطباء، إن الحب يقوم بتخفيض الحد الأدنى لمركز السعادة في عقلك، ويجعلك أكثر مقاومة لما قد يضايقك وينغص عليك معيشتك. كالكوكايين بالضبط!

إن كليهما يقوم بزيادة معدل الدوبامين في جسمك فتشعر بالسعادة من أتفه الأسباب. كونك محبًا فهذا يقوم بتخفيض السيروتونين في جسدك، فبالتالي، كونك محبًا فهذا يجعلك مهووسًا ومدمنًا، فلا تستطيع أن تتوقف عن التفكير بها، أو التحدث عنها أو مقابلتها أو… إلخ.

ذلك كان علميًا موجزًا، ولكن الأهم، ماذا يحدث عند تزاوج الفلسفة بالحب؟

(4)

في الحقيقة إن علاقة الفلسلفة بالحب لا تسر. فعندما يقول فرانسيس بيكون «إنه من المستحيل أن تحب وتكون حكيمًا» فجميعنا يعلم أن الحب يعمي ويصم، والحاكم المحب حكمه منحاز وباطل، إيجازًا هناك بيت شعر يحمل المعنى السابق في أبسط الكلمات:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكنّ عين السخط تبدي المساويا

إن الفلسفة تعني الحكمة، والحكمة تقتضي العقل ذا المعايير الثابتة الموضوعية دون حياد أو ميل إلى طرف دون طرف. فهل سيتمكن المحب من الموافقة بينهما؟ هناك مثال شهير ينسب إلى سقراط العظيم قائلًا فيه «تزوج يا بني فإن وفقت في زواجك عشت سعيدًا وإن لم توفق أصبحت فيلسوفًا» وكأن من قُدر له حبًا أوصله إلى الاستقرار أصبح ناجحًا ومن لم يستطع فهو من الزاهدين الفاهمين للحياة وتبعاتها.

والجدير بالذكر أن صاحب الصورة السابقة، فريدرك نيتشه والذي كان يعشق تلميذته سالوميه التي لم تكن تحبه، ولكنها تعلقت به تقديرًا لعلمه ورؤياه لتتزوج أحد أصدقائه عن حب، فيصبح عدوًا للمرأة طيلة حياته. 

ولكن! أيعتبر أي تعلقٍ بأحد حبًا؟ وما المقدار الذي إن اجتزته من التعلق أصبحت عاشقًا حقيقيًا؟ ألا يمكن أن يكون كل هذا التعلق مبنيًّا على الأنا؟ مثل ما وضح فرويد في التحليل النفسي؟ وهل هذه الأنا مبنية على الفراغ العاطفي وفقدان الحنين كشعور الأطفال؟

هل ما أنا عليه الآن لأني بطل رئيسي في دنيتي فأراني لابد وأن أمر بتجربة حب مقلدًا أفلامًا أو روياتٍ؟ فالحب الساذج أفقدنا الإحساس الحقيقي للحب.وهنا يقول العظيم الدكتور أحمد خالد توفيق “ليتنا أنا وأنت جئنا إلى العالم قبل اختراع التلفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقًا أم إننا نتقمص ما نراه”

فإذا أقسمنا أنه حب.

فهل هو حبٌ مغشوش مزيف مبني على الميل الجنسي كما بين فرويد أيضًا أم إنه حبٌ أفلاطوني منزوع الشهوة؟

كل هذه الأسئلة مهمة لابد أن تجاوبها أنت وأجاوبها أنا حتى نتوصل إلى حقيقة ما نحن عليه. إن الحب في ذاته ناشئ عن مجموعة معقدة من التفاعلات من جميع النواحي، لا يجب النظر إليه من جانب واحد، ولكن من جوانب مختلفة وبصورة أكبر شاملًا العلم والدين والأخلاق. الحب دائمًا لا يكون منظمًا. وإن كنت عليلًا ومريضًا بالحب، فليجمع الله بينكما لأنه لا شفاء إلا بترياق اللقاء.

سمه هوا أو أنا، سمه حبأ سمه عشقًا

ولكن اعلم نحن نحب أن نحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد