لم أجد لكل هذا الغضب والحزن بداخلي ملجأ سوى قلم ودفتر أصطحبهما معي في كل أسفاري، وكأني أعلم مسبقًا أنني سأعيش لحظات لن يواسيني فيها سواهما. مؤلم جدًا أن تستفيق، في يوم عطلة، على فيديو تُغتصب فيه الإنسانية بكل وحشية؛ أربعة مراهقين محاصِرين لفتاة مختلة عقليًا، في مؤخرة حافلة للنقل العمومي، ثلاثة منهم يعبثون بجسدها بعدما جردوه من الثياب، ورابعهم يوثق لحظات الجريمة بهاتفه، أمام مقاومة بائسة للفتاة، ولا مبالاة غير مفهومة من سائق الحافلة.

لقي هذا الفعل استنكارًا شديدًا في مواقع التواصل الاجتماعي. كلٌّ يندد ويحلل حسب منظوره؛ المناضلون يُحَمّلون المسؤولية للدولة في تقصيرها في توفير دور الشباب والثقافة. المتشددون يتهمون لباس الفتاة غير المحتشم. المثقفون يُذَكّرون بمستوى التعليم المتدني وضرورة النهوض به كأولوية. وآخرون يتهمون كل المذكورين أعلاه بالعدمية، معتبرين أن مثل هذه الأحداث تقع في العديد من بلدان العالم المتقدمة، وأنها لا تؤثر على ما عرفته بلادنا من «تقدم» من خلال إنجاز مشاريع مهمة كمحطة نور للطاقة الشمسية وتنظيم COP 22 والقطار فائق السرعة… إلخ.

لا يمكن تحميل مسؤولية ما حدث لجهة معينة دون غيرها، أو ربطه بمشكل واحد إذا قضينا عليه نكون قد ضمنا عدم تكرار مثل هذه الأحداث. لا أعتبر الفتاة هي الضحية الوحيدة، بل في نظري مرتكبو هذا الجُرم هم أيضًا ضحايا، مغتصَبون من مجتمع فَقَدَ معظم أفراده أبسط القيم الإنسانية والأخلاقية. مجتمع يتفشى فيه الجهل واللاوعي فلا يعي فيه الفرد حقوقه وواجباته. مجتمع ذكوري تُشيَّؤ فيه المرأة لتصبح مجرد أداة لا تصلح إلا لخدمة الرجل. مجتمع لا يساوي بين مختلف طبقاته، فتُنبذ فيه فئة يتولد عندها فراغ يتغذى على الفقر والبطالة، لتتبنى بذلك ثقافة العنف والتسيب أسلوبًا لفرض الذات.

كيف نتفادى مثل هذه الأحداث وما زال بعض الأزواج يرتكبون اغتصابًا من نوع آخر، بدعوة المرأة إلى الطاعة في فراش الزوجية، ليعبث بجسدها كما شاء، برضاها أو رفضها، وكأن الجنس من حق الرجل وحده؟ كيف نرتقي وكل هَم المسؤولين هو صورة البلاد في الخارج، ينجزون مشاريع عملاقة تبهر ناظريها ويهملون المشاريع التي تخدم الإنسان بدرجة أولى وترتقي به؟ كيف نصلح هذا المجتمع وفيه الفنان جاهل لما يُروج له من قيم اجتماعية منحطة، وكل همه الاغتناء والشهرة وزيادة عدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي؟ كيف ونحن من نربي أبناءنا على أساس أن الهدف الرئيس من التعليم هو تفادي البطالة، وننسى دوره في نشر المعرفة التي هي أساس بناء فرد قوي فكريًا، قادر على نهضة مجتمعه؟ كيف نتفادى كل هذا الانحطاط والكل يكتفي بالتنديد في العالم الافتراضي دون المساهمة في التغيير على أرض الواقع؟

الكل يتفق على أن التعليم أساس تقدم المجتمعات وازدهارها، وهو القادر على حل المشاكل المذكورة أعلاه. فالمدرسة هي التي تنتج السياسي والفنان والإعلامي وكل مكونات هذا المجتمع. لكن هل سنظل، نحن المواطنين العاديين، معلقين آمالنا على إصلاح لا ندري متى سيأتي، وإن كان سيأتي حقًا أم لا؟ لا أعتبر نفسي في موقع يخول لي إعطاء الحلول، لكن من وجهة نظري، أظن أن العمل الجمعوي هو أحد الحلول البديلة، وإن كان لا يعوض كليًا مكانة ودور التعليم. أرى أنه على كل فرد يريد خدمة وطنه، ويرى أنه قادر على التأثير إيجابيًا، بإمكانياته الفكرية أو المادية، في هذه الفئة من المجتمع المنبوذة والضائعة، أن يضحي ببعض من وقته وجهده وماله للمساهمة في تنويرها وتوعيتها والرقي بحالها المادي، كلٌّ بالوسيلة التي يراها الأنسب، لنمضي قدمًا نحو مجتمع تُحترم فيه الكرامة الإنسانية وتسوده العدالة الاجتماعية.

من كان غيورًا على وطنه وجد في هذه الأحداث سببًا مقنعًا في بقائه فيه أو رجوعه إليه، عكس ما ينادي به الكثيرون. ففي الأخير كلنا مسؤولون عن هذا الانحطاط، كل من موقعه الاجتماعي، ما دمنا لا نساهم في محاربته على أرض الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد