يعد الاغتصاب أشنع الجرائم الجنسية التي تمارس باسم الكبت بالعنف انتهاكًا على الجسم والنفس. ومع ذلك فإن تنظيم هذه الجريمة قانونيًا وجنائيًا يختلف من دولة لأخرى حسب المنظومة الاجتماعية والثقافية والدينية.

فإن كان قانون العقوبات المصري في مادته 267 يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد، وسار على نهجه المشرع البحريني (المادة 344) والمشرع الكويتي (المادة 186)، فإن التشريعين اللبناني والأردني قد عاقبا بالأشغال الشاقة. أما في السعودية، ونظرًا لغياب قانون وضعي، يتم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، والحقيقة أنه لاوجود لجان وضحية، إذ يتعرض كلاهما للمساءلة القانونية مادامت الأنثى قد وجدت في حالة خلوة غير شرعية دون اللباس الشرعي، وغالبًا ما يتم السكوت والتستر بسبب الخوف من الفضيحة والتشهير الأخلاقي، بغض النظر عن انتهاك حرمة جسدها وتعنيفها جنسيًا، وعلى العموم تصل العقوبة إلى القتل قصاصًا، وقد يتم الاكتفاء بالحبس والجلد حسب الوقائع، والأمر لا يختلف كثيرًا في دول إسلامية أخرى كإيران التي تقوم بالرجم، والصومال وأفغانستان.

في الجهة المقابلة، نجد التشريعات الغربية قد تناولت جريمة الاغتصاب في تعريفها وأركان تحققها بمنحى مغاير عن الدول العربية، إذ إن قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1994 عرف الاغتصاب بأنه كل فعل إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته يرتكب بحق شخص الغير عن طريق العنف أو الإكراه أو المفاجأة. وبالتالي فإن جريمة الاغتصاب هنا تتحقق ما دام شرط الإكراه الجنسي قد وجد، بغض النظر إن مورس في حق الزوجة، وبغض النظر عن جنس المتهم والضحية، عكس أغلب القوانين العربية إن لم نقل كلها، والتي سار على نهجها القانون المغربي في مادته 486، لما عرف الاغتصاب بأنه مواقعة رجل لامرأة دون رضاها، ويعاقب عليها بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، سواء كان الغصب بالإكراه البدني أو النفسي كأن يكون تحت تهديد، وبالتالي فهي لا تتحقق إن مارسها ذكر على ذكر أو أنثى على أنثى، وإنما تكيف آنذاك جريمة شذوذ جنسي 489 أو جريمة هتك عرض 485، ولا تتحقق إلا إن كان المجني عليها حية، وإلا كنا بصدد جريمة انتهاك جرمة القبور، ولا تتحقق طبعًا على الزوجة، بل يعتبر هذا حقًا شرعيًا للزوج، ولا يسع الزوجة سوى أن تقوم بالتطليق للضرر، أو بالشقاق، إن سئمت التعسف في حقها. كذلك لا تتحقق جريمة الاغتصاب دون إيلاج العضو الذكري في فرج المرأة، بمعنى أنه إذا ما تم اقتحام حرمة جسد المرأة وتعنيفها لمسًا وجنسيًا في مختلف بقاعها، وإذا ماكان الإيلاج في الدبر مثلًا، فلا تكيف كاغتصاب حسب القانون المغربي، وإنما نكون بصدد جرائم أخرى، كهتك العرض (المادة 484) الذي ينقسم إلى بسيط أو مشدد، وهو الذي يكون بتعنيف وينتج عنه افتضاض دون إيلاج (بجسم صلب أو بالأصابع).

والاغتصاب كغيره من الجرائم لا يكفي فيه الركن المادي (تحقق المواقعة بالغصب)، وإنما يشترط كذلك الركن المعنوي ألا وهو القصد والنية، بحيث لا تتصور الجريمة مادام الجاني قد أتى الفعل مرغماً تحت طائلة تهديد. وكذلك فالاغتصاب كغيره من الجرائم، يتوفر على ظروف تشديد تزيد من مدة العقوبة، وهي في القانون الجنائي المغربي، أن تكون الفتاة قاصر، أو عذراء أفتض غشاءها إثر المواقعة، أو أن يكون الجاني من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة أو وصايا عليها أو مسؤول سياسي أو ديني، أو تتوفر على إعاقة جسدية أو ذهنية،أو كانت حامل، فهنا قد تتزايد مدة العقوبة لتصل إلى ثلاثين عامًا كحد أعلى، وما يؤاخذ على ظروف التشديد هذه، أنها لم تمتد إلى فروع الضحية وماجوارها (كأن تضاعف لمغتصب أمه وأخته وعمته…).

وما يؤاخذ على التشريع الجنائي العربي عمومًا،والمغربي على وجه الخصوص، هو قصوره، سواء في تنظيم أركانه وشروطه المبالغ فيها أو في تحديد العقوبات الرادعة، وتنظيمه بهذه الصورة لا يدركه العقل ولا يتقبله لا المنطق ولا الإنسانية. على عكس التشريعات المقارنة، التي قد وضعت حدًا لجريمة الاغتصاب والتحرش ليس فقط بالتنظيم القانوني الذي عاقب على كل انتهاكٍ لحرمة الجسد للذكر أو الأنثى (حيث تصل مثلًا عقوبة الاغتصاب في الولايات المتحدة الأمريكية إلى السجن مدى الحياة مع الغرامة دون الشروط أعلاه)، بل يمتد وضع الحد للسلطة التقديرية المخولة للقضاء، والأكثر من ذلك إلى الحصن الذي يبنى اجتماعيًا (سواء بمساواة المرأة بالرجل، والسلوك الأخلاقي، والتوعية الإعلامية، غياب الكبت…). فالاغتصاب من أبشع الجرائم وهي جريمة لا تمس الجسد وحسب، وإنما تمس الكرامة، وأسوأ ما قد تعيشه المرأة، هو أن توجد في مجتمع يعتبر أنها مفعول به، كائن صامت بلا صوت، ممتلك، يحق لكل حيوان سيكسولوجي انتهاك جسده وأن يفلت بكل سهولة من فعلته هذه.

هي جريمة لا تمارس على فرد، بل على الإنسانية. ولا تتوقف الجريمة لما يتوقف الجاني عن فعلته. وإنما تمتد الجريمة إلى قاعة المحكمة لما تشير أصابع الإتهام إلى المرأة بكون المواقعة قد مورست برضا تام (حتى يتم تكييفها كجريمة فساد عوض اغتصاب)، ويعجز عن إثبات عنصر الإكراه، وتمتد الجريمة لما تقنع العائلة الفتاة بالصمت خوفاً من الفضيحة، وتمتد كذلك لما ينبذ المجتمع طفل الاغتصاب، ولما توجه أعين العابرين على المغتصبات بنظرات ممارساتٍ للرذيلة لا بنظرات موجهة للضحايا.

هو اضطراب سيكولوجي، يبدأ من كبت المجتمع، تشجعه المنظومة الأمنية، يتماطل عنه القانون، وتسكت المرأة عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد