عليك أن تتحلى ببعض الشجاعة لتنزل إلى الطريق وتنظر فى أعين الجميع محدقًا متحديًا مسترقًا النظر مقتربًا من فتيان يقول أحدهم للآخر أنه قد سمع بعض الإشاعات التي تقول أن الشخص الآخر ملحد، فيرد الآخر بالنفى فيبادره بسؤال:

-من ربك؟

-الله

– ما أصل الإنسان؟

حينها صمت الفتى باسمًا وهو على علم كامل بعقلية السائل وحاول أن يقول شيئًا مضحكًا تجنبًا للإجابة التي قد تجعله في نظر السائل شخصًا منبوذًا مدنسًا بمرض العلم. أستطيع أن أسمعهما يقولانها في عقلهما «متى يفيق هذا الوغد؟!».

تعمق أكثر في الطريق ولا تتعجب بالقذارة المحيطة بك، فقط امض إلى أن تصل إلى تلك الفتاتين اللتين تبدوان في سن المراهقة، أجل هذا الصوت العالي ينبع منهما، أجل إنهما يتشاركان قصصًا عن الفتية الذين يتسابقون لينالوا إعجابهن أو بالفعل نالوا إعجابهن، ليس هذا الغريب، أتعرف ما الغريب؟ أني أعرف كل هؤلاء وما هم إلا حفنة من الأوغاد.

لابد أنك بدأت تشعر بالجوع، توقف الآن وحاول أن تمر للاتجاه الآخر من الطريق دون أن تأخذ أحد السيارات حياتك واحرص أن تنزع السماعات من أذنيك حتى لا تلقى النظرة الحقيرة من تلك السيدة السمينة التي تركب وراء أحد الأشباح – الدراجة النارية الصيني – وتتنهد بصوت عال:ٍ «جيل آخر زمن» والآن بعد أن طلبت طعامك وجلست على الطاولة، مهلا مهلا هل الذي رأيته شيئا حقيقا؟! هل هؤلاء الأطفال الذين لم يتجاوزوا الثانية عشر يتبادلون المقاطع الإباحية؟! هل أنا الوغد الآن؟ أم تلك السيدة السمينة هي سبب وجود أولئك الأوغاد.

دعنا نتجاوز هذا الهراء فبالتأكيد هناك أحد الأماكن الثقافية حيث يتسابق أهلها في مضمار المعرفة والعلم والأدب، هناك سأقابل أشخاصًا جديرين في هذا المجتمع، اتضح أنه من الصعب الوصول إلى تلك الأماكن التي همشت في المجتمع فأصبحت غير مرئية. وأخيرا وجدت مكتبة للكتب ولكن مهلا ما الذي تفعلانه الفتاتان السابقتان هنا؟ هل هما مثقفتان وأنا كنت الوغد؟ وكانتا تريدان أن تشتريا إحدى الروايات ولكن مهلا ليس الغريب أنهما لا تريدان أن تعرفا من الكاتب أو المحتوى الغريب، إن السعر الذي سمعته كان باهظا جدا وعندما أمسكت الرواية التي طلبوها تصفحتها وليتني لم أفعل، ما الذي سأقوله لديستوفسكي وتولستوي وميخائيل شولخوف ولنجيب محفوظ وأنا أضع تلك الرواية بجانب أعمالهم، تفحصت أكثر من رف وأكثر من رواية ولكن الشيء ثابت، لقد اندثرت اللغة كما اندثرت قيمة الثقافة في مجتمع أصبح فيه العلم موضة لتزين النفس وأصبح الأدب فيها رمزًا للعمق والماضي السحيق وأصبح الوغد فيه مثقفًا وفيلسوفًا.

بدأنا نكره الوطن أكثر من أي وقت مضى تزامنا مع مضينا في درب الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي والعلمي مرورا بموجة الفكر التي بدأت تنبعث من ظلام المجتمع العقيم لتنيره بعد محاربة الجهل والتقاليد.

حتى الشباب انقسموا أصنافا متباعدة، والنفس التي كانت في أحد الأيام مشتعلة للتغيير والتقدم انطفئت شعلتها وحل محلها الظلام، كل الآمال اندثرت مع الرياح كما اندثرت أحلام الثورة، لم يعد هناك مفر من انتظار مستقبل شائب لا ملامح له سوى الجهل والعناء. وأود ان أختم بتلك الكلمات الرائعة لنجيب محفوظ.

«ماذا جرى لمصر؟ لم نكن قط بهذا القدر من السوء. حقًّا لم نكن قومًا مثاليين، ولكننا لم نكن كذلك عُصْبَةً من الأوغاد. كيف نواجه عصرًا يُطالب أهله بالكمال في العلم والعمل والقيم؟ ما هذه بفطرتنا الأصيلة، ولكن تعاقب الحروب، والأزمة الاقتصادية، والتردد بين التجارب الشرقية والغربية، وتضافر المِحَن على صفوة الأمة الذين ندعوهم بذوي الدخل المحدود، حَمَّلَهم ما لا يطِيقون، وانتزعهم من مبادئهم وانتمائهم. إنهم وغيرهم ضحايا الحكم الشمولي الذي يُعنَى بالمجتمع ويهمل الفرد، الحكم الشمولي الذي لا يذكر الفرد إلا وهو يطالبه بالتضحية، بدون أن يقدم له قُدوةً هادية، على حين يتمتع هو بجميع طيبات الحياة بصورة مستفزة لا ضمير لها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأوغاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد