ثلاثةُ أشهرٍ تقريبًا أهُمُّ فيها بالكتابة إليه، وفي كلِّ حينٍ أنا وقتٌ بلا ساعاتٍ ولا دقائقَ ولا ثوان.

شيءٌ من التعقيد يبدو يَسيرًا، شيءٌ من الحُسن الزاهد يُبكم القلم، شيءٌ من الجمال المجَمِّل، شيءٌ من الطبيعة الإنسانية يَبين صفاءً، طبيعيًّا. شيءٌ منه.. أعجزني؛ أن أبدأ.

 لن أسردَ قصةً أسطوريةً من واقع القبح الدراسيّ ببلدتي، وإنما أحكي حقيقةَ العينين، ولن أقطر الزينةَ في الوصف، وإنما يُمطر الضميرُ ما يُرضي، ولسوف أخرج من أرض المقال خروجَ الخائب الأسِف؛ فأُبين وهو القصور قولي، وأُجيز فيبدو منه الإسهاب! فكأنه السرابُ فيها، وكأني العطِشُ الذي يُمَنِّي! ولقد تَقطَّع أمعاءُ قلمي من حِدّة العجز، ولكنّه «شرفُ المحاولة» كما يقولون.

في الصفِّ الثاني الإعداديّ أجلسُ في نهاية الفصل، ولأوّل مرةٍ في اليوم الأول من الدراسة أرى معلمًا يسألُ بجِدٍّ في النحوِ ويُفَصِّلُ القولَ فيما يخصّ مقدماته، كأننا نألفه مُذْ سنوات. لم تكُن تلك مقدمة خادعة يجذب بها الطلابَ إلى درسٍ خاصّ -حاشاه-، وإنما هو الضميرُ اليقِظُ والقلبُ الصحيح، ولسانُ الواثق بالعِلم والقول الفصيح، فمُرادُه رضا العليمِ سبحانه، وسبيلُه سبيلُ الحكيمِ جلّ جلاله؛ فلا تتفرق الطرائق في الشرح بين فصلٍ وجمعٍ مخصوص، فالكلُّ سواء وإنما التمايزُ بالتقوى والعمل، وإني ما رأيتُ ولن أرى منهجًا كذا يُتبَّع في مدرسةٍ -كما يسمونها عندنا- ولا سَمتًا كسَمتِه، ولا مُعلِّمًا يبذر حُبَّ اللغة في قلبِ مراهقٍ كما فَعل مُعلِّمي، ولَكم ينال الطالبُ من الشرف بياء المتكلمِ الملتصِقة التصاقَ التلميذ بمَعينِ عقلِه، وهدى شرودِه، ورِيّ العطَشِ من جهلِ المسألة؛ بمعلِّمِه، وما أندرَ المعلِّمين! وما أكثرَ المتعالمين المدّعين!

عاهدتُه حازمًا في القرار، ورقيقًا يَجمعُ العِزّةَ والوقار، شديدًا في عذله؛ حُبًّا، صابرًا في شرحه لا يبخل بالوقت، ولا يشتهي مادةً، يَسيرًا في نظمِه، قويًّا في حرفِه، جامعًا مُلِمًّا، لا تفوتُه فائتة، ولا تفلتُ من يديه شاردة. له وريقاتٌ تُغني عن كتبٍ خارجيّة، وتلك يُكتَبُ فيها قَريضٌ من الغزل؛ فإنها جامعة لما فيها وزائدة، وما استخدمنا الكتبَ الخارجيّةَ إلا للدُربة المطلوبة، والمهارةِ المَنشودة، وقد كان معلمي يُقوِّم سلوكَنا النحويّ بالتطبيق على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ حتى فيما يَخصّ دروسَ القراءة والنصوص -الشِّعريّة والنثريّة- والقصة في اختبارٍ مباغِتٍ شفهيّ حين قراءة أحدنا عليه، وهو سريعُ السؤال كأنما هو المطرُ الغزير؛ يَروي وتخاف أن تَغرقَ به، وما أحسب ذلك إلا تفعيلًا للفطنةِ والحذق والبديهةِ النحويّة. إنه يأتي بأخبار العرب الصحيحة غير المسطورة في المقرَّر؛ كي يَتيسَّرَ لنا فَهمُ الأدب، ويَشرح أركانَ الجملة العربية ويربطها بأبيات ألفيّة ابن مالك ثُم يُحَقِّقُها، ومَن يعرف المدارسَ غير الأزهريّة يعرف أنْ لا معرفة لها بالألفيّة، كان يَذكر الشواهدَ اليسيرة؛ كي تلتصقَ بالأذهان إلى ما يشاء الله، ويُكثِر من شواهد القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف في كلِّ فروع اللغة المدرَّسة. لقد أضاف إلى الأدبِ أدبًا نَتَخلَّق به، وزادَ النحوَ نحوًا ننتحيه.

مُعلِّمي! سأُفرِد لك الآن رسالةً قصيرة، سأعزل فيها العالمَ أجمع، وتكون العالَمَ الذي يَضمُّني؛ كما كنتَ دومًا، وأُفَرِّغني فتملأني بكل نظراتك وعباراتك، على أن أُتبِعَها أُخَر، وأذهبَ إلى بقاعٍ شتى، فأغرسَ فيها بذورَك. هذه سحابة في سماء ذِكرك، أتظلّل بها في ساعة فقدك. حبيبي! أنا بيتٌ، أنت تفعيلاتُه وصدرُه وعَجُزه وضَربُه وعَروضُه. أنت كلُّ عِللي وزحافاتي. أنت بحرٌ وعليكَ أُنظَمُ؛ تأدُّبًا واقتداءً. أرأيتَ إنْ غابَ كلُّ ذلك ماذا أكون؟! أنا قلمٌ وأنت حِبرُه وسِنُّه، وأنا سِفرٌ أنت متنه وحاشيته وفهرسُه. أنا جملةٌ أنتَ رُكنَيها. أنا شيءٌ حينما تكون أنتَ كلَّ شيء.. كلَّ شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد