منذُ ذلك التاريخ المِحْوَري الذي حُفِر بمسير الشيخ رضا – عندما قرر الالتقاء بالأفغاني ومحمد عبده – تاقت نفسُهُ لإقامة صلةٍ بينه وبين الأفغاني – الذي كان مقيمًا في الآستانة وقتَها – والإمام محمد عبده المقيم في مصر، لكن الأفغاني لم يرم إلى السفر نحو الآستانة، فالآستانة حينها كانت قبرًا للإبداع والطُّموح، فلما توفي الأفغاني رحمه الله سنة ١٣١٤هـ – ١٨٩٧م ادخر الشيخ رشيد رضا من عمله في السنوات الماضية ما يبلغه مأرب رحلته، ثم تسلل إلى إحدى السفن الذاهبة إلى الإسكندرية بإصرار مناضل وقلب عاشق للمجد ونفع الأمة، فوصَل الإسكندرية مساء جمعة رجب ١٣١٥هـ ديسمبر (كانون الأول) ١٨٩٧م، ثم ترحل من طنطا إلى المنصورة، فدمياط، ثم طنطا مرة أخرى، حتى وصل القاهرة سبت 23 رجب 1315هـ – ديسمبر 1897م، وفي يومه التالي ذهب إلى زيارة الأستاذ الإمام محمد عبده.

وعندما التقى الشيخان اتفقا على بذل العمر في إصلاح أمراض الأُمة، وأفاض على الشيخ رضا الشيخُ محمد عبده بنصائحه، إذ قال له:

– لا تتحيّز لحزب من الأحزاب.

– لا تشغل نفسك بالرد على ذام.

– لا تخدم بقلمك أحدًا ممن يسميهم الناس (كُبراء) فتستخدمهم ولا تخدمهم.

فوافق الشيخ رضا، وكتب أول مقال له في جريدة المنار التي أسسها مع الأستاذ الإمام في أول عدد لها في ٢٢ شوال ١٣١٥هـ، مواصلًا رسالة العروة الوثقى، فحرص في كلماته على الإصلاح الديني، وربط الدين بالواقع، وتطهير العقيدة من الخرافة، وتحرير العقل من الجمود، وعقد المصالحة، بين العلم والإيمان، والعقل والنقل، والإسلام والتمدن، وبعد أعدادٍ تلو أعداد من المجلة، صارت يضرب بها المثل، وأضحت مشكاةً أضاءت من نورها مسارات العبقرية التجديدية للأستاذ الإمام.

ولكن كما هو حال العرف عند كل سائر، إذ لا بد حتمًا من عراقيل في دربه. فقد حاول أعداء الأستاذ الإمام والمجلة أن يوقعوا بين الرجلين عداوةً بمكرٍ ففشلوا، فادعوا على الشيخ رشيد رضا أنه يجب أن يخرج من مصر بحجة عدم تأديته الخدمة العسكرية، ولولا أن الشيخ رضا أثبت بوثائقه أنه متمتع بالإعفاء من الخدمة لطلبه العلم وبلوغه مرتبة العلماء المنشغلين بتدريس العلم لكادوا ينجحون في إخراجه من مصر.

وعندما حانت منية الأستاذ الإمام 1905م سلَّم الجميع بأن مكانة رشيد رضا من الأستاذ الإمام هي ذاتها مكانة الإمام من شيخه الأفغاني، وأنه هو قائد حركة الإصلاح من بعده، بل لقد عبر الإمام محمد عبده قبل منيته بأبياتٍ يرمي بها مقصده إلى رشيد رضا أنه مواصل المسير من بعده، فقال:

فيارب إن قدرت رجعي قريبةً .. إلى عالم الأرواح وانفضَّ خاتمُ

فبارك على الإسلامِ، وارزُقهُ مرشدًا .. رشيدًا يضيء النهجَ، والليلُ قائمُ

يماثلني نطقًا وعلمًا وحكمةً .. ويشبه مني السيف، والسيف صارمُ

ومضى الشيخ رضا في سبيله نحو أفق التجديد، وساهم كوكبة من المفكرين والأدباء بأقلامهم في مجلة المنار، حتى لمح رشيد رضا وهو في مسيره فكرتين لم تكونا على خاطره أثناء وجود الأستاذ الإمام وهما:

أولًا أن الفِكر السلفي الذي تربّى عليه الشيخ رضا قد عاد ليجثم على فكره مرةً أخرى، فلا مناص من النقش على حجر النشأة الأولى، فبدأ الشيخ رشيد يرجع للتأثير بالمنقول الصحيح والقول به في المنار، وفي تفسيره، وهذا جلي واضحٌ في تفسيره إذا ما قورِنَ بتفسير الأستاذ الإمام. والدليل أنه ساند قاسم أمين أثناء حياة الشيخ محمد عبده، ووقف موقفًا حادًا لاذعًا من كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعبد الرزاق.

وثانيًا ميله للانغماس الظاهر في السياسة، كالتدخل الاستعماري الغربي، وعلاقة العرب بالأتراك، والوحدة العربية… إلخ.

وسافر من بعدها متنقلًا بين الحجاز ومراكش، فالهند بغايات سياسية لأجل منفعة أمته، وأدرك أن مصلحة الأمة لن تتأتى بالبعد عن ذلك، إذ قال في افتتاحية المجلد الثاني عشر من تفسيره المنار: «سالمنا السياسة، فساورتُ وواثبت، وأسلسنا لها فجمحت وتقحَّمَت، وكُنّا نهِمُّ بها في بعض الأحيان، فيصدف عنها الأستاذ الإمام، ولم ننل منها ما نهواهُ إلا بعدما اصطفاه الله». وكما كانت المنار منارًا للإصلاح في عهد الإمام، فإنها استمرت على ذلك بوعيٍ واستمرارية صاحبها الذي كان علمًا في هذا الميدان، إنَّ له أنصارًا لأفكاره، وكذلك خصومًا في الشرق كافة.

ولكنّ جهود الرجل الفِكْرِيَّة لم تقف عند هذا الحد – المنار – مع أنه إنجازٌ عملاق، لكنه أثري المكتبة العربية تأليفًا وتحقيقًا وتصحيحًا وطبعًا. ومن مؤلفاته:

– تفسير المنار في 12 مجلدًا، وقد فسَّر فيها 12 جزءًا، وضمنه ما فَسَّره الأستاذ الإمام وتاريخه كذلك.

– الوحي المحمدي.

– شبهات النصارى وحجج الإسلام.

– عقيدة الصلب والفدا.

– المسلمون والقبط والمؤتمر المصري.

– محاورات المصلح والمقلد.

– الوهابيون والحجاز.

– نداء للجنس اللطيف.

– يسر الإسلام وأصول التشريع.

كما حقق بعضًا من كتب التراث، ومنها: تفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وشرح عقيدة السفاريني لابن قدامة، والمغني لابن قدامة، ودلائل الإعجاز للجرجاني، وإنجيل برنابا.

شغل نفسه ودنياه ووجوده في طريق الإصلاح – رحمه الله – عاش 83 عامًا، عاش 50 منها بالفكر والممارسة في أفق الإصلاح. وحان أجله ليلبي خالقه، فصعدت روحه إليه، كانت عائدةً به إلى القاهرة من السويس. فأودعت روحه عند الله في 23 جمادي الأولى سنة 1365هـ – أبريل (نيسان) 1935م بعد دعوة مفادها تحقيق سيادة الإسلام في الأرض، قد يكون قد أخطأ في بعض مما قال. وهناك من يعترض على فِكره غالبه، ولكن لا ننكر أن فكره سيضمن فيما بعد في التراث العربي على أنه إحدى ركائز الإصلاح، وأنه أسهم في نهوض عقول وقلوب، فلينهض المسلمون محافظين على إسلامهم وحضارتهم، مسابقين كافة الأمم في العلوم والصناعات والفنون، فهذا هو الإسلام من وجهة نظر العروة الوثقى بكشفها عن الشيخ محمد رشيد رضا عليه رحمة من ربه ونور، رحم الله المنيرين سبل الوصول إليه في كل زمانٍ ومكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد