محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن خليفة القلموني. وهو بغدادي الأصل، فقد نزحت أسرته إلى «القلمون» من بغداد، ولدَ بقرية القلمون إبان خضوع المشرق العربي للدولة العثمانية، في 18 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1815م.

وفي محيط أسرته المتديّن، بدأ رشيد رضا يتلقى دروسَه التعليمية الأولى بقريته، فحفظ القرآن في سن طفولته، وأخذ بنواصي الأسباب التي ترقيه حتى يصير عالمًا من علماء الإسلام، بروح فذة وعقل ألمعي، وفي طرابلس التحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية، ثم درس في بيروت، وانتهى المطاف به -بعد دراسة علوم القرآن، واللغة، والفقه – إلى الحصول على شهادة العالمية من طرابلس، بعد أن حصَّلَ ما يشابه علوم الأزهر الشريف في مصر. ولقد تتلمذ في تعليمه على بارزين من علماء سوريا وأدبائها ونبغائها، مثل الشيخ عبد الغني الرافعي، والشيخ حسين الجسر.

وثمرة للمنهج الذي عليه سار في عمره، فقد غلَب عليه الطابع السلفي، الذي يهتم كثيرًا بالمنقول، ويرنو إلى رفع شأن النص والمأثور، والتدقيق في الأسانيد الدينية والتاريخية. وكان متأثرًا جدًا بكتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي؛ فطبع عليه جدًا، وجعله ينحو نحو الصوفية، فاشتغل بالوعظ والإرشاد في قريته والقرى المجاورة لها، حتى لقد كانت نزهاته التي يروِّحُ بها عن نفسه مجالًا لعِظات يلقيها مترنمًا، وتدرّب إبان تلك الفترة على الخطابة الدينية فأجادها، وألف أول كتبه «الحكمة الشرعية»، ونشر في إحدى الصحف مقالًا طويلًا عن الأخلاق، وجعل لوجدانه وأفكاره بعض الشعر المنظوم.

وتصادف حينها أن ولَّت الدولة العثمانية على طرابلس حسن باشا سامي، وكان من أنصار الحرية للشعوب، وفي أحد الاجتماعات التي حضرها خطب الشيخ رشيد رضا خطابًا جليلًا، تحدث فيه عن طبقات الأمة، حاكمين ومحكومين، وقال إن العمل هو الذي يبين الفوارق بين الطبقات في الإسلام ولا غير ذلك، وكالعادة فهذا الكلام ضايق البعض، إلا أن حسن باشا سامي أُعجِبَ به جدًا، فعينه مباشرة بعد ذاك الخطاب عضوًا في شعبة المعارف.

وبينما هو في الثامنة والعشرين من عمره، عام 1893م، يقلب أوراقًا في محفوظات والده، فإذا به يعثر على بعض من أعداد مجلة «العروة الوثقى» التي أسسها موقظ الشرق وفيلسوف التجديد جمال الدين الأفغاني، مع تلميذه الأستاذ الإمام محمد عبده، من باريس سنة 1884م، والتي توقفت بعد 18 عددًا. فقرأ ما بين يديه ملتهمًا كل سطر في روحه، وشرع كالريح والبرق يبحث عن باقي أعداد هذه المجلة، ووجدها في مكتبة شيخه حسين الجسر، ونسخها وأكب على مطالعتها وفهمها وتدبرها مرات تلو مرات، فتغيَّرت صورة الإسلام في عقله وفِكرِه، وكذلك تغيرت صورة المسلم النموذجي، ولم يعد الإسلام هو الزهد وإعطاء الظهر للدنيا بلا مبالاة، ولم يعد المسلم السائر على المنهج هو العاكف على إصلاح العقائد وحدها. وإنما ظهر له الإسلام الذي يوازن بين الدين والدنيا، والحضارة والشعائر، والتمدن وتطهير القلوب، والجهاد في الإصلاح والجهاد في سبيل الله.

ومن هنا قال الشيخ رشيد عن تلك الحالة: «من مقاصد الله هداية الإنسان إلى السيادة في الأرض بالحق، ليكون خليفة الله في تقرير المحبة والعدل، وقد تعلقت نفسي بعد ذاك الانقلاب في حياتي بوجوب إرشاد المسلمين إلى عامة المدنية، والمحافظة على ملكهم، ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، وجميع مقومات الحياة، فطفقت أستعد لذلك استعدادًا».

ومنذ ذلك التاريخ طاقت نفسه لإقامة الصلة بينه وبين جمال الدين الأفغاني الذي كان يعيش في الآستانة، ومحمد عبده الذي كان قد عاد توًّا إلى مصر؛ فكتب للأفغاني كتابًا بليغًا مشحونًا بروح الإكبار والانبهار والتعظيم والتمجيد. وهذه كانت أول محطة للاتصال بينهما، ومن ثم الإمام محمد عبده، وهذا ما سيكون إن شاء الله في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد