غرق مركب رشيد هو رأس الموضوع و«الشمعة القايدة» هي حالة المجتمع المصري غير الحقيقية وغير الموضوعية، التي يحاول الإعلام المصري خلقها من العدم والفراغ, الإعلام المصري يحاول بشتى الطرق إظهار صورة مصر على أنها جنة يعيش أهلها أزهي أوقات حياتهم ومحاولة إظهار الشعب وكأنه شمعة منتصبة تنير الوطن بكل ما أوتيت من قوة ولا يقاطعها شيء، ولكن الشمعة ستنطفئ حتما يومًا ما.

سأحاول بشكل مُبسط توضيح ثلاث فوائد وثلاثة أضرار لموضوع غرق المركب التي كانت تحمل المهاجرين المصريين رحمهم الله برحمته التي تسع الجميع بلا استثناء.

الموضوع هو عن مركب صيد كانت متجهة ببعض الشباب وبعض الرجال بصحبة زوجاتهم وأطفالهم متجهة إلى أقرب دولة أوروبية لـ«قذفهم» بالقرب من حدودها المائية والهرب سريعًا,

لعل الدولة تعطف على أبناء غيرها وتفعل مالم يفعله وطنهم وتقبل دخولهم والسماح لهم بالعيش فوق أراضيها، ولكن حدث مالم يرغب الكثيرون في حدوثه وهو غرق المركب وموت عدد كبير ممن كانوا عليه.

الضرر الأول من وجهة نظر الجميع هو موت الشباب صُناع المستقبل! المستقبل الذي لا يأتي في بلاد الموت والهزيمة، قوة أي وطن يستطيع استيعاب الأمور بجدية الشباب الذي بكى عند ولادته وبكى عند موته بنفسه ولم ينتظر دموع أحد, الشباب الذي لو كان هنالك عدل في وطني العزيز لكانوا في مكانة أخرى دون تلك التي أخلت بحقوقهم وحقوق ذويهم، ولكن حسبنا الله وحده فهو من نلجأ له في حالتنا هذه.

الضرر الثاني من نفس وجهة نظري هو ضياع الأمل في الحياة لمن هم لم يغرقوا بعد، ممن كانوا على نفس المركب ومن هم يشاهدون شاشات التلفاز ويتعلمون من المغامرين بالحياة. الضرر الثالث هو تجديد باقة الحزن التي يشترك بها المصريون، الباقة التي تتجدد تلقائيًّا مجانًا وبدون رسوم، هي الوحيدة بلا رسوم أو ضرائب أو خصومات.

مثل أي شيء في الحياة لكل موضوع سلبيات وإيجابيات، فوائد وأضرار، ولهذه الكارثة إيجابيات، ولهذا يجب نشرها بين الناس، لأن الجميع عامة لا يحب المكتئبين وناشري السلبيات، والفائدة الأولى هي أننا أصبحنا على علم بمواقف جديدة وشخصيات جديدة وظهور الوجوه الحقيقية وسقوط بعض الأقنعة الزائفة كالعادة.

الفائدة الثانية بمناسبة ذكر الإيجابيات هي نجاة الشباب الغرقى من الحياة في هذه الحياة غير العادلة وغير المستقيمة أمام الجميع، وذهابهم لمن هو أحق منا بهم وأحق بهم من أنفسهم وموزع الأرزاق بشكل أكثر عدلًا وإنسانية ورحمة.

ولم تنته الإيجابيات بعد فهناك فائدة ثالثة وهي الأقوى بين باقي الإيجابيات، ألا وهي الدموع، فالدموع تنظف العيون ومفيدة بشكل كبير للقرنية وينصح الأطباء بالبكاء من وقت لآخر.

ولكن الدموع لن تعيد ما فات، والدعاء هو غذاء من مات، ومن مات من الشباب قد نجا من الكثير مما سيراه شركاء الرحلة ممن قُبض عليهم داخل المستشفى عند استقبالهم, سيتم بالتأكيد اتهام الناجين من الغرق بمحاولة الهجرة غير الشرعية وهذا مالم ينتظروه.

دورة حياة المواطن المصري تتلخص في بعض المواقف التي تتكرر بشكل يومي وليس شبه يومي كما يدعي البعض, يوميا: ظلم، وفقر، وقهر، وطاقة سلبية، وجوع، وخوف، وحاجة، واكتئاب، والقائمة طويلة بما يكفي للكتابة حتى نهاية الشهر القادم، والعام القادم، والقرن القادم. ما يحدث في مصر الآن هو عقاب مسبق على ما يمكن فعله أو يمكن أن تقول هو عذاب الضامن على فعل الغريم أو كتابة قصة جديدة في مكتبة تاريخ الروايات المأساوية، قل ما شئت أو اصمت كذلك كما تشاء، ولكن ما أريد إخبارك به أن من ماتوا مصريون ولعنة الفراعنة ستطول الجميع، الجميع بلا أي استثناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد