“فيه فار في الشقة!”

بهذه العبارة الرومانسية صرخت زوجتي! فارتعدت فرائصي، وجُنَّت ضربات قلبي، وارتسم الذعر على وجهي.

كنا في الأشهر الأولى من عمر زواجنا، تلك الأشهر الحاسمة التي أعرف يقينًا أنها ترسم الصورة الذهنية لكل منا لدى الآخر، وتضع مسلَّمات وقواعد قد تستمر سنواتٍ عديدة قبل أن تطالها يد التغيير. ومن ناحيتي لم أدَّخر جهدًا في الحقيقة في رسم صورتي كما أحب، فانطلقْتُ بكل طاقتي أُشعلُ نيران الرومانسية والرجولة وخفة الظل بسببٍ وبدون سبب؛ وكنت أراني يومًا بعد يومٍ أقترب بثباتٍ وثقةٍ مما أريد.

“المشكلة إنّي بقرف منها لدرجة الموت، وتقريباً دي الحاجة الوحيدة اللي بخاف منها”

بتلك العبارة الكاذبة رددت عليها. كانت العبارة كاذبة بفجاجة؛ فليست الفئران هي الشيء الوحيد الذي أخافه، بل وليست حتى أكثر تلك الأشياء، فأنا – حقيقة – أخاف من كل شيء! غير أنّي لم أجد إلا تلك العبارة لحفظ ماء وجهي، وإنقاذ رجولتي التي أصبحت على المحك.

“وبعدين ده بيجري بسرعة والشقة كلها عَفْشْ، همسكه إزّاى؟!” هكذا أكملت محاولا الإدعاء بأن كل مشكلتي تكمن في عدم استطاعتي الإمساك بالفأر تعيس الحظ، الذى دخل بقدميه إلى عرين الأسد!

“فيه مصيدة تحت، إنزل هاتها ونحطها في المطبخ بالليل، وأكيد هتمسكه“؛ أجابت زوجتي على تساؤلي – الكاذب – بحلٍ عمليٍ فعلًا، فأنا هنا لست مطالبا بمطاردته ولا مواجهته؛ فحمدت لها طوق النجاة هذا الذي ألقته إليّ دون أن تدري.

نزلت إلى “تحت” – حيث أمي وأبي – سألت أمي عن المصيدة فأخرجتها لي، وسألتنى عن الفأر فقلت لها إنني لم أره، وأخذْتُ منها المصيدة، وأنا أقاوم شعورا بالإشمئزاز من منظرها (المصيدة بالطبع وليست أمي)، وأمسكتها من قاعدتها الخشبية محاولًا عدم لمس هيكلها المعدني وأسلاكها الصدئة، التى كانت صورة مجسمة للرعب والموت.

وصعدت بها إلى زوجتي، التي أخذتها ووضتعها بحرص شديد في المطبخ، بعد أن علَّقت بداخلها ثمرة “طماطم” حمراء كبيرة لتغرى الفأر بلونها، ولم تكن تعلم – ولا أنا وقتها – أن الفأر لا يُميِّزُ الألوان من الأساس! وأكملنا باقي يومنا محاولين الإدعاء بأن كل شيء طبيعي، غير أن كلماتنا المتوترة وحواسنا المتشنجة المتربصة كانت تفضحنا بامتياز؛ حتى إذا ما جَنَّ الليل ذهبنا للنوم آملين أن تزول الغمة.

وبالفعل قبل أن تغمض أعيننا انتفضنا على صوت طرقعة قوية؛ فقفزت زوجتي صائحة: “المصيدة! وقفزت معها ضربات قلبي.

خرجتُ خلفها بأرجلٍ لا تكاد تحملني إلى المطبخ، وأشعلنا الأنوار ورأيته. كان فأرًا منزليا متوسط الحجم، ويبدو أن المصيدة أغلقت عليه بمجرد دخوله إليها، فلم تكن ثمرة الطماطم قد مُسَّت بعد، وكان يحاول باستماتة دفع باب المصيدة، غير أنها كانت محكمة بالفعل ولله الحمد.

ظللت واقفًا – متجمدا في الحقيقة – أمامه لا أدري ما أفعل، فقالت زوجتي: “إنت هتفضل واقف، يللا مَوِّتُه!”، فنظرت لها عاجزا متوسلًا وقلت: “إزاى؟!” ففكَرَت قليلا وقالت: “فيه تحت جردل كبير، إملاه ميَّه وغرَّقُه“؛ فقلت لها – محاولا الهروب قدر الإمكان – “زمانهم تحت ناموا دلوقتي، الصبح أبقى أغرَّقه“؛ وتركتها ورجعت إلى غرفة النوم آملًا أن أموت قبل الصباح، وكان هذا إيذانًا بانتهاء الحديث؛ ولا أدري كيف غلبني النوم فعلًا، ولكنني نمت!

استيقظت في الصباح وأنا أحمل على كتفي همًا كبيرًا، ودخلت معها إلى المطبخ فوجدنا الفأر ساكنا في المصيدة ولكنه بدأ يتحرك حين رآنا؛ ولاحظنا أن ثمرة الطماطم قد اختفت تماما، فقالت زوجتي: “هو أكل الطماطم؟!” فقلت محاولًا إفراغ توتري وخوفي في دعابة مفتعلة: “ابن الكلب بينتقم منِّنا، قال: قبل ما أموت هخرب بيتكوا وآكل الطماطماية كلها“، وضحكنا بملئ فينا – من التوتر والانفعال – وكأن قنبلة ضحك قد انفجرت في وجوهنا؛ ثم بمنتهى الحرص والرعب حملت المصيدة من قاعدتها الخشبية، ونزلت لأسفل حيث جردل المياه الكبير، وقمت بإغراق الفأر. وليس هنا مجال ذكر تلك التفاصيل البشعة!

فى الأيام التى تلت تلك الواقعة لم يكن لنا حديث إلا عن الفأر، واستأنفت ماكينة التصنُّع والافتعال – بعد أن زال الخطر فعليًا – دورها على أكمل وجه، فانطلَقََتْ منى النكات والدعابات عن الفأر “الطِّفِسْ” الذي يأكل حتى آخر لحظة في حياته، وأحيانًا عن الفأر “المنتقم” الذى أراد “خراب بيتنا“، وهكذا تدريجيًا حتى ذهب الموضوع طيَّ النسيان، وتلته مواضيع أخرى وأخرى.

لا أدري لماذا تذكرت هذا الحادث الآن، وقد مرَّت عليه سنواتٍ وسنوات، ولا أدري أيضًا لماذا صار السؤال يُلحُّ عليَّ بشدة: كيف قضى الفأر ليلته الأخيرة داخل المصيدة؟ ولماذا أكل الطماطم؟

قد يكون هذا بسبب النزعة الفلسفية التي أصبحت أميل إليها كنتيجة طبيعية للتقدم في العمر، وقد يكون بسبب تكاثر الأحداث والخطوب التى مرت عليَّ طوال تلك السنوات، ما أثقل كاهلي ودفعني دفعًا للهروب إلى ما قبل تلك الخطوب، محاولًا التشبث بتلابيب الصبا، ونضارة السنوات الأولى، وبساطة الأحداث.

وبغضِّ النظر عن السبب، إلا أنّي أتساءل الآن حقًا: أيكون الفأر قد أكل الطماطم لإلحاق الضرر بنا بالفعل كما تمازحنا وقتها؟ أيملك تلك الشخصية المقاتلة التي تجعله حريصًا على إيلام قاتله وإلحاق الضرر به بكل ما أوتي من قوة، حتى اللحظة الأخيرة في حياته، وحتى عندما يوقن بالهلاك؟ أيكون الفأر أفضل منا نحن المستسلمين لجلادينا، اليائسين من الفعل، المتخاذلين عنه؟

آلمني هذا الافتراض الذي يجعلني أقل من الفأر شكيمة وأضعف عزمًا، فنفضته سريعًا عن رأسي وقلت: ومن قال بأن الفأر أيقن بالهلاك؟ لم لا يكون قد امتلك الأمل في النجاة حتى النهاية؟ لقد ظلَّ في المصيدة ليلة كاملة، فلم لا يكون قد حاول طوال تلك الليلة أن يفتح باب المصيدة ويتحرر؟ إن كان فكَّر هكذا ونفض اليأس عن نفسه، فبالتأكيد سيحتاج إلى كل قوته وطاقته للمحاولة والعمل، وسيجد في ثمرة الطماطم وسيلة للحصول على تلك القوة.

أراحني هذا الافتراض قليلا، غير أنّي سرعان ما عدت أتساءل: أيكون الفأر قد أكل الطماطم ليتقوَّى على الكفاح من أجل حريته فعلا؟ أيكون واعيِّا أن عليه العمل وفقط، أما النتائج فلا يملكها ولا يملك إلّا أن يسعى إليها؟ أيكون قد مات راضيًا عن نفسه؟ أيكون الفأر قد مات مؤمنًا أكثر منَّي؟

هالني ما أقوله وما يعنيه، فعنَّفتُ نفسي بشدة وقلت: ومن قال أيضًا بأن الفأر هو ذاك المقاتل؟ بحثت في عمر الفئران فوجدتها حول العامين، وبمقارنة هذا بأعمارنا نحن البشر التى تدور حول الستين عامًا، نجد أن اليوم عندنا بثلاثين يومًا بالنسبة للفأر، والليلة بثلاثين ليلة. أي أن الفأر قضى فعليًا داخل المصيدة ثلاثين ليلة بمقاييسه هو، فمن قال إنه قاتل ثلاثين ليلة؟

لم لا يكون الفأر قد قاتل ليلة أو ليلتين، تعب ليلة أو ليلتين، يئس ليلة أو ليلتين، ثم تعايش؟. لم لا يكون قد بلغ منه اليأس مداه فألِف المصيدة؟ لم لا يكون مع تتابع الليالي عليه قد نسِيَ كيف دخل إليها ابتداءً؟ لم لا يكون قد تأقلم على أنها هى العالم، وأن حدودها هى الحقيقة؟ إن كان الفأر فكَّر هكذا فبالتأكيد سيفعل ما فعل بالضبط، وجد أمامه طعامًا فأكل، وقطعًا لو وجد أمامه شرابًا لشرب، ولو كانت معه فأرة داخل المصيدة لتناكحا وتناسلا، ولقضي باقى الليالي يداعب فأْرته، ويرعى صغاره، وينشغل بتوفير طعامهم وشرابهم!

ارتحت نسبيًا لهذا الافتراض الذي يحفظ عليَّ إيماني ورجولتي، ويلقى بالوضاعة على الفأر؛ غير أني سرعان ما تساءلت مرة أخرى: أنكون نحن هذا الفأر الأخير؟ أنكون قد دخلنا بأرجلنا إلى مصائدنا الخاصة جريًا وراء ثمرة الطماطم؟ أنكون قد طال علينا الأمد فنسينا أننا داخل مصيدة؟ أتتوالى علينا الليالي ونحن نفرح ونحزن، نرضى ونغضب، دون أن ندري أننا نعيش بالفعل ليلتنا الأخيرة في واقع سيِّدٍ خفيًّ خارج المصيدة ،ينام الآن منتظرًا الصباح ليغرقنا، ويبدأ مع المصيدة ليلة جديدة؟

فما أفظع ما يثيره فينا التقدم في العمر، وما أعذب الصبا ببراءته وبساطته وجهله، ويا حظ من عاش صبيًا ومات صبيًا، والمجد كل المجد للبسطاء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد