أضر ما في الخلافِ الخلافُ عليه

كان الشيخ سيد رجلًا معمرًا يقطن في جوارنا، وكان يُقال له شيخٌ لشعره الأبيض والذي يكاد يضيء في الظلام، وكانت له لحية تملأ فراغات وجنتيه من أثر الكِبَر، لكنه مع ذلك كان إذا وقف؛ استقام استقامة العصا التي في يديه والتي لم يكن يحملها من تعبٍ، وقد كان يرعى أيتامًا وله أغنام، فقال لي ذات مرة وقد سرحت عيناه وثبتت على شيءٍ كأنه يقرأُ أو يرى منظرًا: «رأيتُ المعز إذا تحركت، تحركت في جماعة، لا يختل نظامها دون أن يكون عليهم راعٍ، وأما أطفالي -الأيتام الذين يرعاهم- فلا أتركهم حتى يذهب كلُّ أخٍ عن أخيه مذهبًا، فلا ينتظمون إلا بأمرٍ مني».
فسألته: «ولِمَ؟»
فأجاب وهو يشيرُ بإصبعه إلى رأسه: «للعقل.. فالعقل فرقهم، وجعل لكل صاحبٍ طريقه، إذ لكل واحدٍ منهم عقل، ولكلِّ عقلٍ نظرٌ لا يتناظر فيه معه سواه».
فقولتُ له مستثيرًا: «كأنك المستاء من تفرقهم، وكأنك تريدهم على ما عليه المعز!».
فقال: «لو كنتُ أريدهم على ما عليه المعز؛ لذبحتُ شياهي وأكلت، لكنَّ الذي يسوؤني هو شجارهم في تفرقهم، فكل واحد يريد أن يجمع غيره إلى رأيه في لعبته، ولا يقبلون اختلافهم».

تلك هي نقطة الخلاف في الخلاف ألا وهي القدرة على قبول الآخر والتعاطي معه.

دائرة التاريخ التي انغلقت

فلم يأتِ في هذا التاريخ صاحبُ فكرٍ جديد أو مؤسس أيدولوجيا لم تكن من قبل أو حتى نبيُّ ديانة مستحدثة إلا وهو يدعي فيها الصلاح وبها الإصلاح، ويتعهد أنصار هذه الدعوة بالدعاية لها والإعلام بها ونشرها في أرجاء الأرض بين الناس، ولا يألون جهدًا في الجدال عنها والهجوم بها على أعدائها، إذ لم يكن في التاريخ ثمة دعوةٍ بلا أعداء.

وعلى هذا فكل دعوة تمثل -إذا تخيَّلتَ- دائرةً، وإلي جوارها دوائر أخرى تمثل الدعوات وأيدلوجيات الفكر المختلفة، وقد تتقارب هذه الدوائر أو تتباعد، وقد تتماس أو تتداخل؛ فتتقاطع مصالح كل دائرة مع الأخرى؛ فينشأ الخلاف.
والخلاف كونه خلاف ليس فيه مشكلة بحد ذاته؛ بل المشكلة هي تلك العصبية للرأي الواحد وأحادية الحكم على الأمور، والواحد منَّا لو أقفل إحدى عينيه لم يرَ مثلما لو أقفل الأخرى، ستنحرف الزاوية وسيختلف المنظور، ومع ذلك لا يعتبرُ أحدٌ لحقيقة الخلاف اعتباره الصحيح، فيريدُ أن يجمع الدنيا كلها على رأي، وأن يكون كل الناس سواء رغم أن عينيه لستا سواء!

هذه هي «نسبية الفكر» التي تتباين بالشخص والزمان والمكان.

جاك دريد وموت المؤلف

وقد تطرق الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا لهذه القضية بشكل غير مباشر، عندما قرر في فلسفته في اللغة أن دور المؤلف الذي يؤلف كتابًا أو يكتب نصًا ينتهي بوصول النص ليد القارئ، حيث لا يملك حينها أي أحد في العالم بما في ذلك المؤلف ذاته تفسير النص للقارئ إلا القارئ نفسه، وهو ما يعبر عنه دريدا بموت المؤلف، إذ يُعد المؤلف في حكم الميت بالنسبة لنصه بمجرد تداوله بين الناس، ويقع عبء تفسير النص المنقول وفقًا لأفهام القراء المختلفة مما ينتج عنه فهم يختلف من قارئ لآخر، ولا يكاد يتفق اثنان على استيعاب النص بنفس الفهم أو يطابق أحدهم قناعات المؤلف بشكل تام.

كل ذلك ناتجٌ عن اختلاف الخلفيات الثقافية والخبرات العملية ومستوى المعيشة وحتى جودة الترجمة -إذا كان النص مترجمًا- وغيرها من المحددات والأطر التي تشكل مكانيزم العقل وقدرات التلقي والاستيعاب وإصدار الأحكام، ولا عجب أن تجد شخصين سمِعا نفس الكلمة لكن تقدير كل واحدٍ منهما لها مختلف، واستيعابهما لها ليس بنفس المستوى، بل قد تُعجِب أحدنا فكرة حتى تترسخ فيه، ثم إنه لا ينام من ليلته فيستيقظ إلا وهو يلعنها.

النسبية والآخر

ولذلك كان على المتلقي ألا ينجرف في اندفاعٍ فيلقي جام غضبِه على من اختلف معه في وجهة نظرٍ أو مسألةٍ أو رأي وأن يتروَّ حتَّما يستدرك نفسَه إلى مكان صاحب الرأي المخالف، وأن يسمح لنفسه -المتدافعة- أن يرتدي قبعته، ويضع نظارته لعله يرى من تلك الزاوية ما حدا بصاحب الرأي المخالف أن يخالف، فلربما خالف صاحبنا هذا رأيه نفسه، وتعجبه تلك القبعة وهذه النظارة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد