ما يميز حضارة اليوم، هو أنها حضارة العمل، حتى أن ريكور عنون فصلًا بأكمله في كتاب «التاريخ والحقيقة» يحمل عنوان: «حضارة العمل والكلام» ولا شك فإن هذا الفصل يسجل بنفس القيمة التي يسجلها هابرماس، في كتابه: «العلم والتقنية كأيديولوجيا»، عن كيفية تحول المجتمع المعاصر من فضاء الندرة إلى الوفرة فهو مجتمع استهلاكي، لكنه نشيط والأمر أدهى وأسوأ بالنسبة إلى هذا النشاط الإنساني، الذي لم يخضع للعفوية، بل هو معقلن ومحسوب بكيفية قبلية، بحيث يتدخل العلم كما تتدخل التقنية في النشاط الاقتصادي، ويأتي لك على مستويين:

يتعلق المستوى الأول بالعدد المعقلن العلمي لما يطلق عليه هابرماس «مخطط التنمية»، وكم من مرة تعودنا على هذا المفهوم انطلاقًا من وسائل الإعلام أو الخطابات السياسية، وكأن الأمر يتعلق فعلًا بالتنمية والتطور وبكل الكلمات التي تنتمي إلى هذه السيميولوجيا.

يكشف هابرماس هذه العقلنة بفضح أسسها العلمية من خلال العودة إلى مصادرها مثل علم الاقتصاد السياسي، الذي يدرس الاقتصاد بمستواه الداخلي، ويتعلق بالمصنع وعمليات الإنتاج ومستواه الخارجي، ويتعلق بدراسات السوق والعرض والطلب والقدرة الشرائية، إذ لا مجال للخسارة.

وبمثل هذه المبادئ حدد آدم سميث كيف يكون الربح مبررًا لكل الوسائل، بيد أن وسيلة الحضارة المعاصرة لا يستعمل فيها عنف مباشر مثل ما يستعمله السيد على العبد في القرون الوسطى والقديمة، إذ تكمن أصالة مجتمعنا في استعمال التقنية عوض الإرهاب حتى يكون المجتمع منظمًا وطيعًا، ولكن هذا الانضباط كما حدده ماركوز في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد».

يتجلى من خلال دراسة نفسية العامل دراسة مسبقة بفضل الاختبارات النفسية التقنية حتى يتطابق السلوك مع عمليات الإنتاج، بل أكثر من هذا، لقد جرى تحويل الرغبة والوعي من مجال الوحدة المتجانس إلى التجزئة والتفكيك، وذلك بفضل تقنية «التيلرة»، فلقد حول الجسد إلى أدوات العمل المغترب ويلعب تقسيم العمل دورًا أساسيًا في هذا التحول.

هكذا يكون الزمن معقلن بكيفية مسبقة، إذ تفترض ساعة عمل وساعات راحة وزمن للتنقل، لذلك نشهد ولادة المذكرة والساعات لحفظ المواعيد، وهذه الأمثلة تسجل بوضوح أن العمل لم يعد خاضعًا للمزاج والرغبة، بل أصبح واجبًا شبيهًا بالواجبات الدينية، الإخلال به كفر وإهماله إلحاد وعصيانه عقاب، وهنا ينبثق رهان تحرري فيه دعوة لفضح كل المقولات التي انبنت عليها الحضارات الصناعية كالنجاعة والمردودية، فهذه الوضعية تجعل من الإنسان مغتربًا مستلب الذات لا يملك معنى، فعلى الإنسان أن يبحث عن ملجأ خارج أسوار المعمل، وهنا تحتضنه تقنيات اللهو لتعمق اغترابه، وهذا التعميق هو نتيجة لعقلنة في تنظيم المدن ودراسة الخرائط والطرقات، وذلك لتنظيم سلوك الأفراد حتى يتعودوا على مراقبة ذواتهم.

وهكذا نشأت مدن الملاهي وصناعة الترفيه وتنظيم المقاهي وازدهرت الخمارات، بل الأمر أسوأ من هذا، إذ إن أوقات الراحة هي أوقات استعداد لعمل مقبل وهي راحة سلبية.

ويبدو أن التقنية خارج أطر العمل خير شاهد على تحويل المؤسسات الاجتماعية – مثل: المدارس والسجون وثكنات البوليس والجيش والقصور وحتى العيادات النفسية، فهي فضاء للعلاج النفسي من القلق والضياع – لتصبح معقلنة، وبمثل هذا الإجراء أصبح للأفراد دفاتر مرقمنة تحفظ فيها تحركاته وأمراضه، فالتلاميذ لهم دفاترهم وللمساجين دفاتر وأرقام، مثلما بين ذلك فوكو في كتاب «تاريخ الجنون».

يفرغ هابرماس دلالة العقل من مضمونه الكانطي بما هو مصدر المعرفة الإنسانية ليقذف به في مستوى آخر، وهو مستوى الاضطهاد المعقلن، ويكون فيه العقل الأداة المميزة للحضارة البعدية وهو ما يتمظهر في المستوى التشريعي، أما فيما يتعلق باستثمار العلم، فقد استثمرت الحضارة الصناعية كل المعارف العلمية كالتشريح والفيسيولوجيا والميكانيكا لاضطهاد الأجساد والتعرف الدقيق على جزئيات الجسد، حتى يتعود أن يكون في نفس الوقت مستعبدًا ومنتجًا، وهذا ما أقره فوكو في «المراقبة والعقاب» وكتب: يقع الجسد في كل مجتمع تحت سلط تضيق عليه تضييقًا وتفرض عليه ألوانًا من الحضر والقهر والإلزام، لكن العقلانية اهتمت بالجسد بشكل مخصوص ليكون جسد التلميذ منضبطًا ومعقلنًا قادرًا على تحمل وظائف المستقبل وجسد الجندي قوي وطيع».

هذه العقلانية يطلق عليها فوكو التكنولوجيا السياسية للجسد. العقل غير موقعه ووظائفه وأصبح وسيلة استباق المستقبل، ويطلق هابرماس عليها «الإسترتيجيا»، وتعني توقع المستقبل لتوجيه سلوك الأفراد، هكذا هو الأمر بالنسبة لتنظيم المدينة والشوارع والمؤسسات الخاصة والعامة وضبط ملفات الأفراد على شاكلة دراسات استخباراتية، مثل الدراسات التي تعدها مراكز البوليس والتجسس، وهكذا هو الأمر النسبة للفترة الستالينية في الاتحاد السوفيتي سابقًا، وكذلك في النظام النازي.

يبرز هابرماس ضرورة تغير الخطاب التأملي من التأمل إلى التشخيص الاجتماعي، وهو ما يستلزم استعارة علم الاجتماع باعتباره أداة لفضح العقلانية، وتجدر الإشارة إلى أن علماء الاجتماع هو علم من العلوم الإنسانية مثل التاريخ والاقتصاد السياسي واللسانيات، لكنه يدرس المجتمع والسلوكات الاجتماعية القابلة للملاحظة، كالإدمان والفوضى السكانية وغيرها.

لكن الكاتب يسم هذا العلم بكونه نقديًّا، ولعله يريد أن يسجل الفرق الوظيفي بين علم الاجتماع الذي يكتفي بالوصف والتحليل، وعلم الاجتماع الذي يفضح ويكشف كل أشكال الاضطهاد، وحسبنا أنه إرث يعود إلى أدرنو، الذي حدد توجه مدرسة فرانكفورت من ناحية اهتمامها بواقع الإنسان ومشاغله، وهذا ما يفسر رفض الكاتب للخطاب التأملي الذي بقي حبيس الأنطولوجيا، وفي ذلك نقد لهيدجير الذي جعل مهمة التفكير تتناول مسألة الكينونة والزمان بمعزل عن المستوى الاجتماعي، وهنا يلتقي هيدجير وأفلاطون في نفس التعالي والمثالية.

كان هذا هو البعد النظري والاستشرافي، ويمكن لهذا الثقل النظري أن ينطبق على جميع القيم في العصر الراهن، فلقد تم تقسيم الدول تقسيمًا أخلاقيًا إلى محور الخير والشر، يضم المحور الأول دعاة الأمركة والنظام العالمي الجديد، ويضم المحور الثاني كوريا الشمالية، إيران والعراق، مثلما تتنكر لكل للمبادئ القديمة كالنضال والحرية، تتنكر لمبادئها، ألم تصبح الحرية ذريعة استعمار؟ حرب العراق نموذج على ذلك. ألم تتحول أشكال النضال إلى ضرب من ضروب إرهاب المعسكر الاشتراكي سابقًا؟

لكن مقابلة الفلسفة أو الخطاب التأملي والعلم تبقى مشبوهة وغير مشروعة، إذ بإمكان المفكر أو الفيلسوف أن يكون الحارس الأمين للدعاية السياسية والاقتصادية، فعلى سبيل المثال فرانسيس فوكوياما، الذي ينظر لـ«نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، فبعد فشل كل الأنظمة الاشتراكية والقومية لم يعد أمام الإنسان المعاصر سوى الانخراط في النموذج الليبرالي.

يشهد الإنسان توترًا في تمثل كونه، ويرغب في الفائدة والنجاعة من جهة، ويتوق للحرية والسعادة من جهةٍ أخرى، ومن هنا نلاحظ مطالبه المتناقضة، لذلك يؤكد مرلوبنتي أن الفلسفة ليست حلًا نهائيًا ولا يمكن لها أن تقدم حلولًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد