بناء الدولة في سياق التغيير من الشارع، أو من المجتمع، يحتاج في البداية إلى «عقلنة الشارع»؛ لأن تسمية الحراك الحاصل بـ«العفوي» يجعل الحراك بلا وجهة محددة نحو فعل البناء من جهة، ومن جهة أخرى يعبر عن «ردة فعل» متأخرة لسلسلة تراكمية من «الأفعال» التي مارستها السلطة طوال عشرين سنة – إن لم نقل أكثر- وبالتالي إمكانية تلقف هاته «الحالة الحراكية» بوجود ما يسمى بالدولة العميقة، بمعاولها البيروقراطية المتجذرة في مختلف قطاعات الدولة، سواء في شكلها المؤسسي، أم في المورد البشري. هذا الأخير يمكن تحريكه في الاتجاه المعاكس للالتفاف حول «جوهر مطالب الشارع» وتهجينه، ثم ممارسة «السحر الأسود» في شكل برامج سياسية توهم الشارع بأنها تصب في أصل مطالبه، وتخدم تطلعاته.

يضاف إلى الدولة العميقة عنصر آخر يخالفها في الاتجاه، لكنه قد يماثلها في القوة، يتعلق الأمر بـ«السلطة الحالية»، بمؤسساتها وأزلامها، وهنا يحضرني قول أحد المشايخ الرقاة لأحد مرضاه، ومختصره أن الجن الذي يسكن جسد الإنسان أيامًا معدودة يسهل إحراقه وإخراجه، لكن الجن الذي يسكن الجسد عشرات السنين من الصعب بمكان إخراجه في يوم أو يومين، أو حتى شهر أو شهرين. الشاهد من هذه القصة أن السلطة التي عاشت لسنوات تمارس سياساتها، وتبني مؤسسات تخدمها، ورجالًا تعبدها، الأكيد أنها كونت قاعدة موالية لا يستهان بقدرتها على التصدي وبناء جدار ثوري مضاد؛ لذلك، وأمام وجود أنداد للحراك المجتمعي، وجب أولًا عقلنة هذا الحراك من خلال تبيان الوجهة التي يريدها وفقًا لمعطى «البناء» وليس «الحفر»، فالإدراك الواعي للخروج في مظاهرات ستتأتى نتائجه في «مخرجات» هذا الحراك. وبالتالي لا بد من وضع سيناريوهات لتلك المخرجات والعمل على دراستها، وإيجاد «الحلول» و«الحلول البديلة»؛ حتى لا يُستغل من أي جهة كانت.

عقلنة الشارع تمهيدًا لضبط مؤسسيته أمر ضروري لنجاح الحراك المجتمعي، الذي ما تزال الجزائر تعيش تفاصيل جمعته السابعة والعشرين. ونجاح الحراك يُدخل البلد في مرحلة انتقالية لا تحتاج إلى رجال سياسة، بقدر ما تحتاج إلى خبراء، وفنيين، وعلماء يعملون في إطار مؤسساتي: فرق، ولجان، ومخابر وطنية، يقسم من خلالها هؤلاء، كل بحسب تخصصه، عبر المؤسسات، والقطاعات، والمجالات الموجودة. مهمة هذه الفرق التي تعمل على المستوى الكلي «الماكرو» هي تقييم الوضع الحالي، بمعنى تقييم ما أُنجز خلال الفترات السابقة، بعيدًا عن الشعارات الشعبوية والمقولات الديماغوجية. لا بد من العمل وفقًا لمعطيات علمية دقيقة، خاصة وأن الأدوات العلمية بمؤشراتها موجودة، وقد ثبتت نجاعتها في تجارب عالمية رائدة. تجري عملية التقييم بعد جمع المعلومات حول مختلف المشروعات، التي أُنجزت والتي لم تنجز بعد، ثم يعمل الخبراء على فلترتها وتقييمها، وإعلام المجتمع بنتائجها.

في الوقت نفسه الذي تعمل فيه هذه الفرق، تستحدث مثيلات لها على المستوى المحلي، حسب الولايات والبلديات والمداشر المنتشرة عبر التراب الوطني. في هذه الفرق يمكن الاستثمار في الشباب المناضل في الحراك، كل حسب تخصصه ومستواه التعليمي، وقدراته الإبداعية. مهمة هذه الفرق معرفة تصورات المواطنين للتنمية، بمختلف أبعادها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية التي يريدونها، وفقًا لأدوات منهجية وعلمية مضمونة الجودة، توفر من خلالها قاعدة بيانات معلوماتية للمطالب والطموحات التي يصبو إليها المواطن البسيط. تنقل هذه المطالب وتدرس على مستوى الفرق التي تعمل في المركز «على المستوى الوطني/ الكلي» لتُدرس وتُحول إلى مشاريع لسياسات عامة، وفقًا للإمكانيات الموجودة طبعًا.

هنا يطرح سؤال عن دور الطبقة السياسية؟ من وجهة نظري أن الأحزاب السياسية الحالية فقدت معظم أوراق اللعبة السياسية، وبالتالي كان لزامًا عليها استحداث طرق وأساليب جديدة لاستعادة ثقة المواطنين، مدخلًا أوليًّا للمشاركة مع المجتمع في عملية البناء المنشودة. هذه العملية تحتاج، في الوقت الحالي، إلى عودة «النخبة الجزائرية» من عطلتها الاغترابية، التي دامت طويلًا بفعل الممارسات التسلطية للنظام السياسي، والاضطلاع بدورها القيادي لإرساء قواعد دولة العدل الحقيقية.

وللحديث بقية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد