«رؤوف»، شاهدته الأسبوع الماضي في سينما زاوية بوسط البلد بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان بانوراما الفيلم الأوروبي. أول فيلم تركي أشاهده في حياتي على الإطلاق، للأسف، وأعتقد أنني بسببه سأدمن الأفلام التركية إلى الأبد.

هل هناك بشر ما يزال لديهم مشاعر؟ هل هناك مكان في العالم ما تزال فيه بقية من حب، وبقية من عطف، وبقية من رومانسية، وبقية من شغف، وبقية من رغبة في الحياة، ومن احترام للموت؟

«رؤوف»، طفل في السادسة أو السابعة من العمر، يعيش في قرية كردية نائية، وسط الجبال في الشطر الشرقي من تركيا، يبدأ يومه الدراسي في الطابور مع باقي التلاميذ الصغار بترديد هتافات قومية تمجد الجمهورية التركية، وتجدد العهد لـ «أتاتورك» بالمضي قدمًا على طريقه، ثم في حجرة مدرسية شديدة التواضع والبدائية، يصغي لضيف جليل استضافه المدرس لكي يغرس المزيد من قيم الوطنية في نفوس الأولاد، شيخ في التسعين من العمر، يتكئ على عصا، ويتدثر بمعطف ثقيل معلق على صدره العديد من النياشين والأوسمة، ثم يبدأ ببطء في سرد بطولاته في الحرب الكورية بالخمسينات.

لا تثير العملية التعليمية الكثير من حماس «رؤوف»، فيخبر الجميع أنه سيترك المدرسة، وأصدقاءه الصغار، وجدته، وأباه، وأمه (أثناء حمومه المسائي في وعاء الألمونيوم، وهو يتكتك من البرد)، في الصباح يأخذه أبوه الطيب ويستقلان حافلة متهالكة لقرية مجاورة، يقدم ابنه الصغير إلى صديقه القديم «أحمد»، ويخبره أن ابنه في حاجة لتعلم صنعة.

يرحب أحمد بعمل «رؤوف» في ورشة النجارة الخاصة به، ويشكره رؤوف: «شكرًا عمي»، فيشير إليه الرجل الخمسيني حزين النظرات: «أسطى!»، ويكرر «رؤوف»: «شكرًا أسطى!». ويبدأ جولة قصيرة في ورشة النجارة، ويكتشف أن أسطى أحمد متخصص في صناعة توابيت الموتى.

ينتظم «رؤوف» في العمل، يكلفه الأسطى في البداية بمهام بسيطة مثل إعداد الشاي، وكنس أرضية الورشة، ومع الوقت يبدأ في المساعدة في تقطيع الأخشاب، ونقل التوابيت حتى بيوت الموتى، بل وأخذ الطلبات من الزبائن:

  • «السلام عليكم.. أريد كفنًا»
  • «كم عمر المتوفى يا سيدي؟»
  • «18»
  • «كم طوله؟»
  • «أطول مني قليلًا». يخرج رؤوف المقياس ويقيس طول الرجل العجوز الذي أتى من أجل تابوت لابنه المقتول.
  • «ووزنه؟»
  • «…!»
  • «تعازينا سيدي!»

من حين لآخر يسمع «رؤوف» دوي الرصاص من بعيد، تحتضنه أمه في الليل وسط دموعها، وتهدهد جسده الصغير الذي فزع على صوت صدى زخات الرصاص تعكسه الجبال المحيطة بالقرية: «نم يا قرة عيني.. كل شيء سيكون على ما يرام!».

لا يفهم «رؤوف» سبب رواج بضاعة أسطى أحمد، ولا سبب كون أغلب ساكني توابيته من الشباب! يسأله فقط ببراءة: «لماذا نضع الموتى في توابيت يا أسطى؟»، يخبره أنها تلزم لحماية أجساد الراحلين من نبش الكلاب والذئاب.

يقع «رؤوف» في غرام ابنة الأسطى أحمد، الفتاة النحيلة الصامتة والمبتسمة، ملائكية الوجه «زانا»، يأسره جمال روحها ولمسة الحزن في عينيها التي ورثتها عن أبيها. يلاحقها بنظراته طول الوقت، ويتتبعها أينما كانت، ويطرح عليها الكثير من الأسئلة الصغيرة البريئة. يلاحظ أنها كثيرًا ما تقرأ رسائل كتبتت في وريقات صغيرة، ويعتقد أنها تحب شابًا آخر يبادلها خطابات الغرام. يستشير أصدقاءه في الموضوع ويخبرونه بضرورة أن يتأنق أكثر، ويغير طريقة تمشيط شعره.

في كل مساء يذهب إلى جدته التي تجلس في نفس المكان على التلة، في نفس الوقت، متأملة نفس المشهد. الجبال من بعيد تعانق السماء في رباط مقدس. يحكي لها كل يوم قليلًا عن «زانا». وفي مساء بعينه أخبرها أنه ذاهب في صباح اليوم التالي إلى المدينة ليبيع أوزة، وأنه سأل «زانا» إن كانت تحتاج شيئًا ما من المدينة. وأخبرته أن يأتيها بغطاء رأس وردي اللون، يسأل جدته إذا كانت تعرف ما هو شكل اللون الوردي؟ لا ينتظر منها إجابة، لأنه يعلم أنه منذ مقتل ابنها وهي لا تتحدث!

يسأل أصدقاءه عن اللون الوردي، فيجيبون أن اللون الوردي هو لون الورد. يسألهم هل شاهدوه من قبل في القرية؟ يحاولون أن يتذكروا أين شاهدوه، ويفشلوا. في الليل يقف داخل منزله أمام كدسة الألحفة الملونة التي ترتص فوق بعضها، يسأل أمه أيًّا من تلك الألحفة وردي اللون، تخبره أنهم لا يمتلكون لحافًا ورديًّا. في الصباح يحتضن الأوزة ويستقل الحافلة في الطريق للمدينة، ويسأل العجوز قائد الحافلة: هل أنت متأكد أنك شاهدت اللون الوردي في حياتك من قبل؟

يصل إلى المدينة ويدور في شوارعها وأسواقها، ويحاول الوصول لغطاء الرأس وردي اللون، لكنه يفشل في المهمة. يقف أمام محل بيع الأوز، فيجد أنها معلقة في نافذة الحانوت مذبوحة ومسلوخة. يفزع لمرآها، فيعود بأوزته دون أن يبيعها.

يمضي الشتاء، وتذهب الثلوج، ويأتي الربيع، وتظهر أرض القرية المفروشة باللون الأخضر، وتختفي «زانا» فجأة!

ينهار والدها عندما يعلم أن ابنته ذهبت للقتال مع الانفصاليين الأكراد في الجبال، ونفهم أن الرسائل التي كانت تصلها كانت تأتيها من زملائها الانفصاليين!

لا يمضي وقت طويل حتى يكون على أسطى أحمد، أن يقوم بتجهيز كفن خشبي من أجل ابنته. تبكي القرية كلها الشهيدة الصغيرة الحسناء، وتحدث معجزة، تتحدث الجدة وتدل «رؤوف» على مكان اللون الوردي، فيذهب مع صديقه لتلة بعيدة حيث تنمو زهور ربيعية تنضح باللون الوردي الزاهي، ويقرر أن يودع جثمان «زانا» بطريقة تليق بحبه لها.

يصطحب الأسطى أحمد كفن ابنته الخشبي في مركب نهري إلى مثواها الأخير، يحتضن الكفن ويغسله بدموعه التي لا تتوقف. يمضي المركب وسط أشعة الشمس الأرجوانية، وقت المغيب، في مشهد مهيب. ينتظر «رؤوف» وصديقه مرور الجثمان تحت قنطرة تمضي فوق النهر، يسكبان مئات الزهور الوردية على الموكب الجنائزي الصغير بالأسفل.

لأول مرة تتحدث الأزمة الكردية التركية لي من خلال الشاشة، وأراها حية ناطقة بهذا الشكل. الإنسان قاس جدًّا، ومعتاد على اختزال المفاهيم والأحداث الكبيرة وحشوها في علب صغيرة جاهزة تتساقط عنها باقي التفاصيل المهمة والمشاعر. أزمة الأكراد؟ آه، عبد الله أوجلان، والتفجيرات والاغتيالات، ودولة كردستان الذين يحاولون إقامتها. ما شأننا بذلك! هذه هي «علبتي» التي أضع فيها الأزمة الكردية/ التركية. «رؤوف» جعلني أخجل من نفسي، وأفهم أن كل صراع حولنا مرتبط بآلاف القصص الإنسانية التي نغفلها.

عندما سأرى وجه أردوغان في نشرة الأخبار. أو أسمع المذيع يذكر مدينة «ديار بكر»، أو أرى اسم صديقتي ذات الأصل الكردي على التايم لاين. سأتذكر وجه «رؤوف»، وسأحن لعبير أزهار وردية تنمو في شرق تركيا على تلة مستترة، في فصل الربيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد