على الرغم من مرور 96 عامًا على قصة ريا وسكينة، فإنها ما زالت من القصص التي يسيل لها حبر الأدباء، والباحثين، والمؤرخين، والمخرجين، فحتى يومنا هذا ما زالت هناك شكوك حول مدى مصداقية قصتهما.

والقصة المعروفة عن ريّا وسكينة تقول إنهما كانتا شقيقتين تعيشان في أسوان ‏ثم انتقلتا للعيش في الإسكندرية، وهناك بدأتا بالعمل برفقة زوجيهما في الدعارة في بيوتٍ سريّة، ومن بعدها بدأوا جميعًا بخطف النساء وقتلهن بهدف سرقة ذهبهن، إذ وصل عدد ضحايا عصابة ريّا وسكينة إلى 17 امرأة، وجدت جثثهن جميعًا في شقتي ريّا وسكينة.

دخلت ريّا وسكينة التاريخ بجرائمهما‏ وبكونهما أول امرأتين ينفذ حكم الإعدام بحقهما؛ فقبلهما كان الإعدام ينفذ في الأماكن العامة، إلا أنه جرى تغيير هذا القرار فيما بعد، وبدأ القضاء المصري بتنفيذ الإعدام داخل السجون.

هل هما مجرمتان حقًّا؟

يظهر اليوم المؤرخ والباحث السينمائي المصري أحمد عاشور الذي يدافع عن براءة ريّا وسكينة‏ طارحًا منظورًا جديدًا ومختلفًا، يستحق أن يتوقف المرء عليه وأن يأخذه بعين الاعتبار.

قرر أحمد عاشور أن يبحث في قصة ريّا وسكينة، ورأى أن أفضل طريقة لطرح ما توصل إليه من نتائج هي تصوير فيلم يُظهر براءة ووطنية ريّا وسكينة، فبحسب عاشور فإن ريّا وسكينة كانتا ميسورتا الحال ‏لأنهما كانتا تعملان بالدعارة المقننة، أي إن عملهما لم يكن سريًّا، وبالتالي لم تكونا بحاجة للقتل بهدف المال أو الذهب.

أما بالنسبة للجثث، فإن السبعة عشر جثة التي عُثر عليها في منازلهما، فقد كانت جثثًا لجنود بريطانيين، وليست لنساء مصريات.

كما بين عاشور أنه في أيامهما، عُثر ‏على 114 جثة للنساء في أماكن مختلفة لم تطأها قدما ريا وسكينة، فهما كانتا تعيشان في حي اللبان الذي كان يشهد مظاهرات عديدة ضد الاحتلال البريطاني، والتي كانت تشارك فيها السيدات.

تلك المعلومات مجموعة شكلت ورقة رابحة لنظام الاحتلال البريطاني، فنساء مختفيات وسيدتان من سيدات الليل ‏تقتلان جنود الاحتلال، ومنطقة تخرج فيها النساء للمظاهرات ضدهم، كلها أمور جعلت من السلطات البريطانية تلصق تهمة خطف النساء وقتلهن بكلٍّ من ريّا وسكينة؛ بهدف تخويف النساء المصريات من الخروج من المنزل والمشاركة بالمظاهرات.

في الحقيقة كان من الأفضل للجميع إخفاء الحقيقة ‏ونشر قصة سفاحتين بدلًا من بطلتين، ففي آخر المطاف من يهتم بفتاتين تعملان في الدعارة.

اختار المؤرخ الاحتفاظ بالردّ على مسألة اعتراف بديعة ابنة ريّا بجرائم أمها وخالتها، وذلك حتى لا يكشف أوراق الفيلم كاملة. أودعت بديعة في دار أيتام بعد إعدام أمها، إذ عوملت أسوأ معاملة ‏لأنها ابنة السفاحة ريا، ولكن بعدها بثلاث سنوات اندلع حريق كبير فى دار الأيتام أدى إلى خسائر عظيمة، ومنها موت بديعة محروقة.

وفي هذا الأمر يرى المؤرخ أن الطريقة التي ماتت بها ابنة ريّا تثير الريبة والشك؛ فقد كانت تبلغ الثالثة أو الرابعة عشر من عمرها عندما ماتت بتلك الطريقة المأساوية، فهل كان يجب التخلص منها حتى لا تكشف الحقيقة؟

هل هما مناضلتان مصريتان لم ترتضيا بالاحتلال فكانتا بالفعل تستدرجان العساكر والضباط الإنجليز لبيوتهما ثم تقتلاهم وتدفناهم بالبيت، الذي كشفته الحكومة المصريه وقتها؟ وهل رضخت الحكومة المصرية آنذاك لأوامر الإنجليز بضرورة إعدام ريا وسكينة؟ وكيف يعدموهما؟ ‏سينقلب عليهم الشعب. هنا لا بد من وجود قصة مفبركه يتعاطف معها الشعب، وتظهر أن ريا وسكينة تستحقان الإعدام. كان من اللازم نشر شائعة، وبدأ الترويج لأكاذيب أنهم عصابة تفتحان بيوتهما للدعارة وتقتلان النساء وتسرقان مصوغاتهن، وللأسف الخطة نجحت والشعب صدق هذا الافتراء الكاذب.

كل هذا قد يكون قد طُرح سابقًا، أما العبرة من نشر تلك السطور، ‏فهي أننا من قديم الأزل نصدق ما يروج لنا ونُستدرج بكل سهولة لما يريدنا النظام أن نسير عليه، ويا ليتنا نتعلم من السابق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد