1– بادئ ذي بدء فإن هذا المقال ﻻ يعتبر تلخيصًا أو اختزاﻻً للكتاب المهم “سؤال الهوية ” للدكتور شريف يونس، وإنما هو محاولة متواضعة لإعادة طرح هذا السؤال وتقييم مفهوم الهوية في ضوء السنوات الثلاثة اﻷخيرة التي وصلت فيها سطوة هذا المفهوم إلى ذروته في مصر، وراح تحت لوائه آﻻف القتلى وملايين القتلى المحتملين، في أسوأ إعادة ممكنة ﻷخطاء القرن الماضي السياسية واﻷيديولوجية.

ففي هذه اللحظة ينقسم الشعب المصري إلى قسمين رئيسين، ينطوي كل منهما تحت لواء الهوية انطواءً كاملاً، ويدافع عن رايته بهستيريا تصل ربما إلى القتل واستحلال اﻷرواح؛ مما أدى إلى استقطاب دموي يشق البلاد، ويجعل كل حوار سياسي طبيعي غير مأمون العاقبة. كما يحمل الطرفان – الهستيريا الحاكمية والهستيريا الوطنية- ذات الخصائص التي تميز أيديولوجيا الهوية، والتي أشار إليها الكتاب في أحد أقسامه.

فهي أوﻻً أيديولوجية نخبوية، تقوم على السمع والطاعة لمن يظن بهم معرفة بواطن اﻷمور والممثلين الحقيقيين للأيديولوجية في صورتها السلطوية.

أدعم قرارات الرئيس مرسي vs السيسي رئيسي

وهي ثانيًا أيديولوجية الدولة، مبنية أساسًا على قدرتها على تحقيق الإصلاح في حال “تمكينها” من مؤسسات الدولة، وهو العذر الذي سيستخدمه الحاكميون مرارًا في مواجهة الغاضبين من أدائهم السياسي بعدم اكتمال التطهير المؤسساتي، في مقابل تأييد قطاع كبير من الشعب والنخبة لترشح المشير السيسي انطلاقًا من توقع تعاون مؤسسات الدولة معه، بغض النظر عن مبرر هذا التعاون وأهدافه وأولوياته.

وهي ثالثًا تسعى إلى أدلجة المجال السياسي ودمغها بطابعها، عن طريق التجريد، ومحاولة إذابة الفوارق بين أبناء الهوية الواحدة.

الصرف الصحي الإسلامي vs شهادات قناة السويس

 

وعن طريق التمايز الكامل بين أنصار الهوية وأعدائها، فكما أذبنا الفوارق بين المؤيدين تحت راية واحدة، ينبغي أن نذيب الفوارق بين المعارضين والإيحاء بأن كل خﻻف بينهم هو محض تمثيلية يسعون بها إلى إخفاء مشروعهم المشترك، وهنا تبزغ نظرية المؤامرة التي يشترك فيها أبناء الهويتين بشكل مثير للتأمل.

الحرب على الإسلام من أمريكا وإسرائيل والسعودية والإمارات vs المؤامرة على مصر من أمريكا وإسرائيل – أيضًا- وتركيا وقطر وإيران.

2– ثم أننا نجد كل هستيريا هوياتية تتغذى على اﻷخرى، فكما هو معروف فإن أي أيديولوجيا سلطوية تحتاج إلى عدو يهدد مركز الهوية، ويحتاج إلى معركة دائمة يسود فيها الدعاية للهوية بمنطق “التعبئة”، فأنصار الفكر الهوياتي ﻻ يفضلون طرح أيديولوجيتهم في ظروف طبيعية، حيث يسود منطق “النقد” والمفاضلة بين اﻷيديولوجيات المختلفة أو بينها وبين أيديولوجيات أخرى ذات بؤر صراعية مختلفة.

 

ده مش وقت انتقاد إحنا في حالة حرب vs ده مش وقت انتقاد إحنا في حالة حرب

ونتيجة لهذا فإن الهستيريا حين تحاول أن تجذبك إلى داخلها، طائفًا حول بؤرتها الصراعية ومؤمنًا ومرددًا بكل أطروحاتها كـ package واحدة، فإنها تعمد إلى دفعك بضراوة إلى الهستيريا المقابلة – التي تتغذى عليها كما رأينا- بدﻻً من أن تسمح لك بالبقاء في موقف عقﻻني خارج مجال البؤرة الصراعية، ﻷن هذا هو بالضبط هو ما يهدد مبرر وجودها بالكامل، فهو يشير إلى إمكانية التحرر من مجال سطوة الهوية ويبرز انتمائهم الأعمى إلى معركة يرونها مقدسة بالتحديد ﻷنهم يرونها دفاعًا عن الحائط اﻷخير.

لذلك ﻻ بد أن نتأمل اتفاق أعضاء كل من الهستيريا الوطنية والحاكمية على خيانة شخصيات كمحمد البرادعي أو عمرو حمزاوي أو جماعة 6 أبريل أو غيرهم، فكل هستيريا تحاول دمغ هؤﻻء بختم الهستيريا المقابلة، في اتفاق ضمني وثيق على نفي وجود مساحة خارج مجال الهوية يمكن اﻻنتماء إليها.

 

انقلابي وعميل للعسكر vs طابور خامس وعميل للإخوان

 

3- في حوار مع صديقي الناقد الشاب مصطفى رزق تحدثنا حول تعريف المثقف، هل هو ذلك الشخص التفكيكي الذي يحتفظ بآلية منهجية يواجه بها جميع اﻷيديولوجيات مخضعًا إياها للجدل ومسقطًا عنها احتفاظها بـ”الـ” حقيقة، معتبرًا أن اﻷفكار أفعال اجتماعية تتبادل التأثير مع السياق اﻻجتماعي والتاريخي المتاح، وهو ما أشار إليه شريف يونس بالرؤية المنظورية، دون أن ينسى التأكيد على وجوب عدم تحولها إلى دوجما جديدة بعد هدم سائر اﻷيديولوجيات.

 

أم أنه هو المثقف المعلوماتي الذي أتيح له اﻻطﻻع على مصادر المعرفة المختلفة، والذي صرف انتباهه إلى قضية المعرفة بقراءة الكتب والدراسات العلمية وإنتاجها. حتى وإن اعتمد أيديولوجية بعينها ووضعها في موقع حصين باعتبارها “الـ” حقيقة وانطلق منه لمهاجمة سائر اﻷيديولوجيات.

كان رأي مصطفى رزق أن المثقف الوحيد هو المثقف التفكيكي، ﻷنه عن طريق الهدم المتواصل تقل إلى أدنى درجة فرصته في اﻻنضواء تحت قطيع بعينه، معبرًا عنه وحامﻻً رسالته ومتفهمًا لأخطائه.

أما أنا فقد رأيت أن ﻻ بد من إدراج المثقف المعلوماتي تحت توصيف المثقف، ولم يكن هذا اختلافًا مع رؤية رزق وإنما لرغبتي في تحميل هذه الفئة بمسؤولياتها التاريخية باعتبار فرصتهم المواتية في الحصول على المعرفة الحرة في مقابل هؤﻻء العامة الذين يمكن عذرهم بجهلهم وابتعادهم عن المجال المعرفي، حتى وإن تحول هذا المثقف في النهاية إلى “خروف”.

 

4– ويمكن رؤية هذا أيضًا بين ما يتفق عليه أنصار الهستيريا الوطنية مع الحاكمية، وهو فكرة القطيع، وتلك الفكرة الملحة والدائمة على وصم معارضيهم بالخرفان، في محاولة منهم لتصفية اﻷيديولوجيات التي يحملها معارضيهم والإشارة بأنها مجرد انسياق أعمى خلف راية، وذلك في حالة عدم إمكانية وصم هذا الشخص أو ذاك بمسألة خطيرة كحمل مشروع مضاد للإسلام/ الوطن.

فهناك خرفان الإخوان، وهناك خرفان – أو حمير- السيسي، وهناك بالطبع خرفان البرادعي، وهكذا. فمن هو الخروف؟

 

هنا يمكننا العودة إلى الموقف من الأفكار المختلفة، فهناك رؤية الحقيقة المنظورية الذي أشرنا إليه، الذي يتعامل مع اﻷفكار كأفعال مع إنكار مبدأ الحقيقة، وهو الموقف الذي يستخدمه الباحث في دراسة وتحليل وفهم وضع معين أو ظاهرة معينة. ففي هذا الموقف يصبح كل شيء يعد وجهة نظر، بعد تنحية اﻷحكام القيمية ومفاهيم الصواب والخطأ والتفتيش في النوايا لنصل إلى نسبية مطلقة، أو سيولة كاملة، ليس بها موضع صلب محل إجماع، سلبًا أو إيجابًا، فكل شيء هو محل هدم، وكل فكر هو موضوع للتحليل واستخراج النمط المنتج له.

وهناك موقف الأيديولوجية التعبيرية، التي تستمد قوتها من اتساقها وتناظرها مع الواقع، وبالتالي مشروعية قيامها بالتعبير عنه. وهذا الموقف يضع اﻷيديولوجية محل اﻻختيار في موضع حصين كما أشرنا ويحتكر امتﻻك الحقيقة، ويصدر اﻷحكام بالصواب والخطأ ويصم التحوﻻت بالخيانة أو اﻻهتداء.

 

ثم يبدأ من هذا الموضع بناء مواقفه الفكرية من اﻷيديولوجيات الأخرى، التي تصبح كلها محل نقد وتحليل غير حيادي، فهو محكوم بأطروحات الأيديولوجية التي قد انضم تحت لوائها بالفعل.

هنا ينقسم البشر إلى صنفين، يأخذ أحدهما الموقف الحيادي القائل بالحقيقة المنظورية في البدء على اﻷقل، فيمايز بين الأطروحات المختلفة مخضعًا إياها للنقد على أسس منهجية بحت، ثم يمكن بعدها أن يتخذ موقفًا أخلاقيًّا وقيميًّا يتسق مع قناعته النهائية، إن جاز أن يكون هناك ما يسمى بالقناعة النهائية، فلا تنس أنني قلت “على اﻷقل”.

 

أما النوع الثاني فهو يبدأ باتخاذ الموقف اﻷخلاقي القائل بالحقيقة التعبيرية مبكرًا، فينضوي تحت لواء اﻷيديولوجية محل اﻻختيار ويتم تضمينه بداخلها، ثم يبدأ – وقد ﻻ يفعل- بإعمال عقله ومحاولة النقد والفهم. ولكن في هذه الحالة فإن مشكلة التحيز – كما أشار لها عبد الوهاب المسيري- تمنعه من منهجية البحث وموضوعية النظرة، فتكون هناك أفكار خطرة، وأيديولوجيات توصف بـ”الهدامة”، وأشخاص موصومون بالتآمر لتغطية أفكارهم كما يغطي أحدهم عينيه كي ﻻ يرى مشهدًا ﻻ يطيق رؤيته.

 

ويصبح في الإمكان تغليب المنطق الأضعف على اﻷقوى، وتقديم اﻷدلة – حتى الحسية منها ﻻ العقلية فقط- اﻷضعف على اﻷقوى، والكيل بمكيالين في ميزان الخطأ والصواب والحق والباطل، ما دام هذا ما يؤدي ﻻنتصار اﻷيديولوجية التي انتصرت بالفعل داخل عقله.

 

محمد إبراهيم قاتل المتظاهرين في عهد مرسي vs محمد إبراهيم قاتل المتظاهرين في عهد السيسي.

 

5– بقيت كلمة تخص رسالة شريف يونس إلى ما أسماهم بالبروليتاريا الثقافية، هؤﻻء الذين بدأت طلائعهم في التشكل – صدر الكتاب عام 1999- بامتلاكهم أوﻻً ﻷدوات ثقافية أكثر حرية واتساعا مثل المراكز البحثية والجرائد والقنوات التليفزيونية المتكاثرة وتكنولوجيا المعلومات الجديدة، وثانيًا لوعي تشكل في عهد ما بعد الحروب وما بعد الناصرية، وفي ظل نظام مستقر أعيدت فيه صياغة اﻷدوار الثقافية بشكل أكثر ليبرالية من العهود الفائتة.

مما يؤهلهم لقيادة ما أسماه بـ”ثقافة المقاومة” في مواجهة سلطوية وواحدية ثقافة الهوية. ليشكلوا – ربما- إجابة لهذا السؤال الصعب، سؤال الهوية.

 

لكننا بعد 15 عامًا من صدور الطبعة اﻷولى للكتاب يمكن أن نختلف قليلاً مع هذه النظرة المتفائلة، فهذه البروليتاريا قد امتلكت ما هو أكثر بكثير من “مناخ أكثر ليبرالية”، وصار تحت أصابعهم أدوات الإعلام العالمي بأكمله يتلقون منه بلا حساب ويضيفون إليه بلا رقابة.

أصبح في وسع الفرد العادي أن يبحث عن المعلومة والخبر والمقال من مصادرهم اﻷصلية دون وجود لسلطة بمقدورها حجبهم عنه، كما أصبح في وسعه أن يقوم بصناعة إعلام بديل يساهم في خلق وتشكيل وشحن الرأي العام بالكلمة والصوت والصورة.

 

كما أن هذه البروليتاريا قد اتسعت بالفعل بانتشار التكنولوجيا الحديثة التي تتيح للشخص أن يدخل على مواقع اﻷخبار الرسمية من هاتفه المحمول، وهو يسير في الطريق.

 

غير أن نظرة مدققة إلى أسلوب هؤﻻء البروليتاريا في النقاش وطرح اﻷفكار تشير إلى أنهم دخلوا هذا العالم الواسع حاملين أيديولوجياتهم الضيقة معهم، فهم ﻻ يتوقفون عن التنابز بالمصادر الإخبارية، والتراشق بالمواقف السياسية، والنزال بملفات الصوت والفيديو التي تثبت لكل منهم ما وقر في عقله وما استغلق عليه إيمانه بالفعل.

يجلس الفرد منهم وقد – قبل أن يبدأ بحثه- صنف العالم إلى خيرين وأشرار، وكاذبين بالطبيعة وصادقين بالضرورة، وأعد قائمة بما ينبغي تجنب مناقشته، وما ينبغي تجنب محاولة فهمه، وما ينبغي تجنب تصفحه من اﻷساس، ثم إنه يجد الدافع القوي دائمًا لتبرير حتى ما تراه عيناه من الوقائع وفقًا لنظريات ﻻ يهم مدى قوة منطقها وتوافر أدلتها بقدر ما يهم مدى اتساقها ما اﻷيديولوجية الهوياتية الحاضرة والمهيمنة.

 

فهل كان هذا ﻷن هذه اﻷدوات قد وضعت في أيدي البروليتاريا متأخرًا جدًّا بعد أن قام النظام التعليمي التلقيني والنظام الثقافي القائم على التوجيه المعنوي بإفساد منطق اﻷغلبية من هذا الجيل وتدمير قدرتهم – بل ورغبتهم- على النقد والتحليل، أم ﻷن هذا الجيل كان ضحية تشرذم وانهزامية أجيال من المثقفين الديمقراطيين الذين فشلوا فيما فشلوا في الحفاظ على استراتيجية مستقلة تحمي أولوية الثقافة من هجمة الدولة التدخلية الناصرية/ الساداتية/ المباركية.

 

يبقى أن أقول إن هذا الكتاب يطرح سؤالاً على درجة من اﻷهمية ﻻ تقل خطورته مع الزمن، بل إنها تزداد، خاصة مع المحاولات المستمرة من أصحاب اﻷيديولوجيات الهوياتية على إقصاء وتصفية حاملي هذا السؤال ليبقى إلى اﻷبد بلا محاولات للإجابة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد