للحقيقة وجهان، والثلج أسود فوق مدينتنا
لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا، والنهاية تمشي إلى السور واثقةً من خُطاها
فوق هذا البلاط المُبلل بالدمع، واثقة من خُطاها.
من سيُنزل أعلامنا: نحنُ أم هُم؟ ومن
سوف يتلو علينا «معاهدة الصُلح» يا ملك الاحتضار
كل شيء مُعد لنا سلفًا، من سينزعُ أسماءنا
عن هويتنا: أنت أم هم؟ ومن سوف يزرع فينا
خطبة التيه: «لم نستطع أن نفُك الحصار»
فلنُسلم مفاتيح فردوسنا لوزير السلام وننجو
للحقيقة وجهان، كان الشعار المقدس سيفًا لنا وعلينا
فماذا فعلت بقلعتنا قبل هذا النهار؟
كل شيء مُعد لنا فلماذا تُطيل التفاوض يا ملك الاحتضار؟ الشاعر/ محمود درويش.

(1)

مقدمات الفرح!

كان «ياسر عرفات» مصممًا على أن يكون هو الذي يوقع الاتفاق بنفسه في البيت الأبيض على نحو ما فعل الرئيس      المصري «أنور السادات» مع «بيجن» وظن أن هذا يحقق له الاعتراف الكامل الدولي والأمريكي، وهو الاعتراف الذي طالما حجب عنه. لكن «إسحاق رابين» لم يكن مستعدًا لتوقيع الاتفاق مع عرفات، بل إنه حتى هذه اللحظة لم يفكر في الذهاب إلى واشنطن بنفسه، وإنما كان يؤثر أن يترك هذه المهمة لـ«شيمون بيريز»، وكانت وجهة نظر رابين أنه باعتباره رئيسًا لوزراء إسرائيل لا يستطيع أن يوقع إلا مع نظير له. وقد كان توقيع بيجن مع الرئيس السادات باعتباره رئيس الدولة في مصر، وأضاف رابين:

«إن عرفات ليس السادات، كما أن اتفاق أوسلو تصعب مقارنته بزيارة القدس وبكامب ديفيد بعدها».

رابين

ولم يكن عرفات قابلًا لوجهة نظر رابين وكان وزير الخارجية الأمريكي «وارين كريستوفر» أكثر تفهمًا، واقترح حلًا وسطًا يتم بمقتضاه توقيع الاتفاق بين وزير خارجية إسرائيل شيمون بيريز وبين عضو القيادة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) باعتباره الرجل الذي أشرف على توجيه قناة أوسلو، وأدار مفاوضاتها حتى انتهت إلى اتفاق إعلان المبادئ، ثم يكون حضور كل من عرفات ورابين حضورًا رمزيًا لإعطاء قوة دافعة للاتفاق، وبرعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

ولم يكن أمام عرفات غير أن يقبل هذا الحل الوسط، وكانت العلاقات بينه وبين أبو مازن قد بلغت ذروة توترها لعدة أسباب قديمة وجديدة، وكان أهم الأسباب الجديدة أنه فور توصل المتفاوضين في أوسلو إلى اتفاق إعلان المبادئ، وبعد الساعات السبع التي استغرقتها المكالمة التليفونية يوم 17 أغسطس بين تونس وأوسلو  استولى ياسر عرفات على «الغنيمة كلها» وراح يتصرف بمفرده أو هكذا كان شعور أبو مازن، ثم طرأت بعد ذلك مشكلة التوقيع، وأحس أبو مازن أن عرفات الذي احتكر القرار في رأيه – يريد أيضًا أن يحتكر الصورة!

عرفات وأبو مازن

ولم يكن أبو مازن وحده الغاضب في مقر المنظمة في تونس في تلك الأيام الحرجة، وإنما كان الغاضبون كثيرين خصوصًا وأن نصوص الرسائل المتبادلة التي وقعها عرفات ورابين أحدثت هزات لاحقة لا تقل عن هزة التوقيع  السابقة.

وزاد من تعقيد الأجواء في تونس أن عواصم كثيرة في العالم العربي راحت تهاجم اتفاق أوسلو الجاهز للتوقيع الآن           في واشنطن.

وبعث الملك المغربي «الحسن» بطائرته الخاصة إلى تونس لتحمل عرفات ومرافقيه إلى واشنطن، وطوال الرحلة كان جو الطائرة مثقلًا بتوترات مكتومة يحاول ركاب الطائرة كبتها حتى لا يحدث انفجار تصعب السيطرة عليه وتدارك نتائجه، خصوصًا وأن الجميع بعد ساعات سوف يكونون وجهًا لوجه أمام وسائل الإعلام العالمي، وبعدها داخل البيت الأبيض ومع رابين وكلينتون.

وجلس ياسر عرفات طوال الرحلة وحده، وأمسك بمصحف وراح لعدة ساعات يقرأ فيه.

وكان أبو مازن في ناحية أخرى من الطائرة وقد فتح حقيبة أوراق وراح يقرأ ويكتب ملاحظات.

عرفات في الطائرة

وبالتأكيد فإن أفكار الجميع كانت تسبقهم إلى واشنطن مهما شغلوا أنفسهم في الطائرة بمظاهر العبادة أو بالإعداد السياسي لما هو منتظر.

وكانت الصورة التي تنتظر المسافرين في مطار واشنطن مزعجة وعصيبة:

  • كان الأعضاء الأصليون في وفد واشنطن، وبالذات «فيصل الحسيني» و«حنان عشراوي» في حالة غضب، فقد فُرض عليهم أن يحضروا الاحتفال رغم أن مشاعرهم الحقيقية كانت تدعوهم إلى الاعتذار عنه والنأي بأنفسهم عن أي شيء يجري فيه.
  • والأسوأ أن بعض الذين دُعوا إلى الاحتفال من الفلسطينيين أرسلوا اعتذاراتهم عن عدم حضوره قبل أن يستأذنوا، والمشكلة أنه كان بينهم عدد من كبار الأثرياء الفلسطينيين الذين يعتمد عليهم عرفات، وكان هؤلاء الأثرياء قد غابوا لأن بينهم من فوجئ بالمعارضة العربية الواسعة للاتفاق، ولما كانت مصالح كثيرين من هؤلاء مرتبطة بالسعودية وغيرها من دول الخليج، فإن هؤلاء الأثرياء فضلوا أن يختفوا من الصورة في هذه الأجواء المضطربة.
  • أضيف إلى ذلك أن طائرة الملك الحسن القادمة من تونس كانت مشحونة بأسباب التوتر. بل إن زحام المشاكل في مشاعر وعقول القادمين من تونس كانت أكثر زحامًا من عدد الحقائب التي تحملها الطائرة!

(2)

مشاكل البروتوكول الأمريكي مع أبو عمار؟!

ثم تكشفت منذ اللحظات الأولى مشاكل عملية طرحتها مجموعة الإعداد لترتيبات واشنطن وبينها:

  • هل سيذهب ياسر عرفات إلى الاحتفال بملابسه العسكرية، ومن المفروض أن يكون الاحتفال مناسبة سلام؟ وكان البرتوكول الأمريكي هو الذي أثار هذه المشكلة. ولم يتصور عرفات نفسه واقفًا على المنصة بالبيت الأبيض مرتديًا ملابس مدنية، وبدون الكوفية المشهورة على رأسه. وكان البروتوكول الأمريكي على استعداد وإن على مضض، لتقبل عرفات في زيه التقليدي العسكري.

لكن البروتوكول الأمريكي لم يكن مستعدًا للمسدس. فلم يكن مسموحًا لكائن من كان يدخل البيت الأبيض حاملًا سلاحًا، وكان بعض الفلسطينيين من الذين شاركوا في إعداد الترتيبات قد حاولوا القفز فوق هذه المشكلة باقتراح قدموه لنظرائهم الأمريكيين وهو «أن يقوم عرفات بتسليم مسدسه إلى الرئيس كلينتون نفسه إشارة على الانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلام» ولعلهم في ذلك كانوا متأثرين بما كان يفعله عرفات عندما كان يقابل الزعيم جمال عبد الناصر فمنذ اللقاء الأول بين الاثنين سنة 1967، كان عرفات ينزع مسدسه ويتركه على مائدة في مدخل بيت عبد الناصر في منشية البكري ويقول:

«إنه ليس من حق أي عربي أن يدخل إلى حضرة جمال عبد الناصر وهو يحمل سلاحًا».

ولكن البروتوكول الأمريكي لم يكن مستعدًا لسماع أي شيء عن الممارسات العربية.

الزعيم جمال عبد الناصر وياسر عرفات عندما كان عرفات يرفع شعار «إنها ثورة إلى نصر!».

ثم قضى البروتوكول الأمريكي بأن هناك ترتيبًا لإلقاء كلمات بعد التوقيع، وأنه قد خصص لكل منهم مدة لا تزيد عن ثلاث دقائق يقول فيها ما يريد قوله ويبتعد عن الميكروفون. ومع أن الاتفاق على إلقاء كلمات كان قد أبلغ إلى تونس، فإن زحام الحوادث وأجواء التوتر والفوضى أنست الجميع ضرورة إعداد كلمة عرفات مبكرًا، وهكذا اكتشفت المجموعة الفلسطينية المكلفة بإعداد الترتيبات أنه ليس هناك نص جاهز للكلمة التي يفترض أن يلقيها عرفات مع كلمتي كلينتون ورابين.

  • وكانت ترتيبات البروتوكول أيضًا تقضي بأن كلينتون ورابين وعرفات سوف يجتمعون أولًا في قاعة استقبال مؤدية إلى حديقة البيت الأبيض حيث أقيمت منصة الاحتفال ورُصت المقاعد للمدعوين إليه. وكان الهدف من هذا اللقاء أن ينكسر الثلج بين الأطراف. فرابين سوف يلقى عرفات لأول مرة، وكذلك حال كلينتون وكريستوفر وبيريز،ونفس الشيء بالنسبة لأبو مازن، وربما تحسب الاثنان وبالذات عرفات للطريقة التي قد يتصرف بها رابين.

كانت الأولوية المُلحة هي إعداد الكلمة التي يلقيها عرفات أثناء الاحتفال، وتوجه السيد باسل عقل (وهو سياسي ومفكر فلسطيني وصديق مقرب من عرفات) إلى الفندق الذي نزل فيه السيد ياسر عرفات وهدفه أن يطمئن على نبرة الخطاب الذي سيلقيه عرفات في احتفال الغد (13 سبتمبر 1993) وأنه لن يتسبب في أية مشاكل.

ودون أن يدري فإن باسل عقل كان في طريقه إلى فخ. لقد راح يشرح لياسر عرفات ما ظن ضروريًا أن يحتويه خطابه في الغد، وقد راح يعرض تصوره للخطاب:

  • «لابد أن نتذكر أننا أمام جمهور معاد لنا بينما الطرف الإسرائيلي يسبح في بحره».
  • «لقد اشتهر عنا كثرة البكاء والندب على الحسن والحسين والشهداء والضحايا وهذه المرة علينا أن نتكلم بلهجة مختلفة».
  • «يستحسن أن يكون كلامنا هذه المرة موجهًا للغرب، وأن يكون بمثابة تقرير سياسة».
  • «من الأفضل أن نظهر غير مأخوذين بلحظة حماسة زائدة، وإنما يبين من كلامنا أننا أمام خطوة أولى على طريق طويل».
  • من الضروري أن نركز على حاجتنا القوية إلى دعم اقتصادي من المجتمع الدولي، ونبدي في نفس الوقت أملنا في مساعدات عربية».
  • «علينا أن نظهر استعدادنا لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع إسرائيل، على شرط أن ندقق في الألفاظ، فلا نذكر مثلًا كلمات مثل (التنسيق) أو (التعاون)».

كان جناح عرفات مزدحمًا بعشرات من الداخلين أو الخارجين لأمر أو لآخر وكان عرفات نفسه مشدودًا إلى مسائل ألحت عليه في تلك اللحظات وبدا نافد الصبر، ولما كان باسل عقل في تقديره رجلًا مقيمًا في الغرب وعارفًا بأساليب السياسة والتفكير فيه، فقد طلب إليه أن يقوم بكتابة الخطاب، وهو بذلك يُزيح همًا ثقيلًا عن صدره، وأسقط في يد باسل عقل وكان أقصى ما استطاع أن يطلبه أن يعطوه غرفة هادئة في الفندق لا يقاطعه فيها أحد.

   ولم تمض غير بضع دقائق حتى قوطع باسل عقل لأن حالة استنفار أعلنت في جناح «أبو عمار» وفي كل الغرف التي كان يشغلها الوفد الفلسطيني، ذلك أن ملف الأوراق المعدة للتوقيع أرسل إلى عرفات كما أرسل لكل رؤساء الوفود، ولوحظ أن مقدمة النص ونهايته تحدثتا عن أن هذا الاتفاق جاء نتيجة للمفاوضات التي جرت مع الوفد الفلسطيني الملحق بالوفد الأردني (طبقًا لصيغة مدريد وصيغة واشنطن) وغضب ياسر عرفات وثار، وطلب من الجميع أن «يتصلوا بالأمريكان (كريستوفر أو من هو أكبر منه)، لإخطارهم بأنه إذا لم يتعدل هذا النص ليُظهر بوضوح أن هذا الاتفاق هو نتيجة لمفاوضات مع وفد فلسطيني يمثل منظمة التحرير، وأن الاتفاق يعقد باسمها، فإنه سوف يحزم حقائبه ويغادر واشنطن فورًا مع بقية أعضاء الوفد الفلسطيني».

ويبدو أن هذا النص لم يكن مطلبًا إسرائيليًا أو أمريكيًا يراد التمسك به إلى آخر لحظة، فرسائل الاعتراف المتبادل والصريح بين الطرفين كانت موجودة وموقعة من قبل هذا الإشكال، وفي الغالب أنه كان من نتيجة اختلاط أوراق قديمة بأوراق جديدة، أو لعله كان مناورة عابرة في اللحظة الأخيرة.

وانقضت ساعة من الوقت تقريبًا والموقف معلق والتهديد بالانسحاب قائم. وكان نبأ هذا التهديد قد وصل مشوشًا إلى الوفد الإسرائيلي عندما اتصل «دينس روس» منسق المفاوضات بعد مقابلة له مع الدكتورة حنان عشراوي واتصال تليفوني مع فيصل الحسيني بشيمون بيريز يقول له إن هناك مشكلة في الأوراق وإن هناك ملاحظات فلسطينية على عبارات التمهيد في الاتفاق، وإن عرفات يهدد بالانسحاب، وكان رد بيريز:

«إن مثل هذا التهديد لا يُجدي، ونحن لن نحزم حقائبنا لأننا لم نفتحها بعد».

وكان رابين بجوار بيريز عصبيًا، ولم يكن موضوع الاعتراض قد اتضح بتفاصيله بعد. وانفعل رابين وقال إنه على استعداد لأن يعلن فورًا فشل الاتفاق، وانتهى الأمر، وإنه إذا تغير شيء في النص فإنه سوف يتصرف مُتحللًا من أي ارتباطات قبلها طوال العمل على قناة أوسلو.

وكان بيريز أذكى من رئيسه وكانت نصيحته هي الصبر «لأنه في الغالب اعتراض شكلي لمجرد تسجيل المواقف، وإن عرفات لن يجازف بإفشال الاتفاق بعد أن قاده إلى واشنطن» وقال لرابين بلهجة خبيثة:

«إن عرفات قضى طوال عمره السياسي يسعى ليدخل من أي باب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولن يسمح لنفسه بتضييع هذه الفرصة وهو واقف أمام البيت الأبيض نفسه».

وفي دقائق كانت تفصيلات المشكلة قد اتضحت، ولم يكن هناك اعتراض من الجانب الإسرائيلي، فضلًا عن الجانب الأمريكي على تصحيح العبارة بحيث تُشير إلى وفد فلسطيني يمثل منظمة التحرير وليس إلى وفد فلسطيني آخر، وبهذا انفتح الطريق إلى البيت الأبيض.

(3)

وهكذا صنعوا السلام!

كان الصخب الإعلامي شديدًا في واشنطن يومها، وكان الفرح حقيقيًا في أروقة «المؤسسة» (اليهودية الصهيونية في أمريكا)، وكان فيها من اعتبر هذا اليوم يومًا فاصلًا، لأن التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ يعني قبل أي اعتبار آخر أن الشعب الفلسطيني قَبلَ لأول مرة بدولة إسرائيل، وكانت الأهمية المعنوية لذلك لا تقدر بثمن.

فالغزو يستطيع أن يعطي للقوي فرصة يفرض فيها على الضعيف   ما يشاء، ولكن الشرعية تظل مع الضعيف طالما ظل متمسكًا بحقه حتى وإن كان الحق مسلوبًا وإذا كانت السيادة منتهكة، لكنه حين يعترف الضحية ويضع توقيعه بالقبول، فإن الأمر لا يصبح مسألة قوة،وإنما يصبح مسألة اتفاق، وهكذا يستكمل له القيمة المعنوية للشرعية.

وكان هذا بالضبط ما عبر عنه يومها وزير البيئة الإسرائيلي «يوسى ساريد» في مقال نشره في إسرائيل حينما كتب بالنص:

«إن إسرائيل اليوم خُلقت من جديد، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية في المنطقة التي قامت فيها. وقد ظلت طوال الحقب الماضية قادرة على أن تغزو وتقمع وتنتصر ولكن بلا شرعية. واليوم 13 سبتمبر 1993 اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها».

كانت مواكب الوفود تتجه إلى شارع بنسلفانيا الذي يقع البيت الأبيض في نهايته، ومرق موكب الوفد الإسرائيلي تتقدمه سيارة رابين بسرعة أولًا، وبعد أربع دقائق كانت سيارات الوفد الفلسطيني تتقدمها سيارة عرفات على نفس الطريق.

وكان كلينتون ينتظر في الردهة الأمامية لمدخل البيت الأبيض، وقاد الرئيس الأمريكي بنفسه رابين إلى الغرفة المعدة للانتظار قبل الظهور للاحتفال العلني أمام بقية الضيوف. وانتهز رابين الفرصة وقال لكلينتون إنه:

«يتمنى أن يكون مشهد الاحتفال الظاهر أمام الكاميرات وقورًا ومتحفظًا، لأنه يخشى من التظاهرات المسرحية التي تقوم بها القيادات الفلسطينية أحيانًا، وهو لا يريد أي عناق أو قُبل أو حتى مصافحات».

وقال له كلينتون إنه: «لا مفر من المصافحة بالأيدي، فكيف يمكن أن نقول للناس إنكما صنعتما السلام معًا لكنكما لا تستطيعان التصافح بالأيدي؟».

ورد رابين بأنه يتفهم ذلك ولكنه يرجو أن تجري المصافحة داخل الصالون عندما يلتقي هو وعرفات لأول مرة لأنه يحاذر إزاء ردة الفعل في إسرائيل.

وكانت سيارة عرفات على وشك أن تصل إلى مدخل البيت الأبيض وتوجه كلينتون لاستقباله، وعندما دخل عرفات كان هو المبادر بمد يده، ووجه كلامه إلى رابين قائلًا:

«إنني أريد أن أقيم معك سلام الشجعان، وأنت وأنا قادران على ذلك فنحن نستطيع أن نتحدث جندي إلى جندي».

ولم يبد على رابين أنه كان سعيدًا بهذه العبارة فقد ظهر عليه الامتعاض، ثم التفت إلى الرئيس كلينتون وقال له بصوت مسموع: «هل سمعت هذا يا سيادة الرئيس؟ جندي لجندي».

ولم يطل الحديث في صالون الانتظار، فقد كان المدعوون إلى الحفل انتظموا في مقاعدهم. وكان المشهد الذي استوقف كل العدسات هو مشهد المصافحة الشهيرة حين مد ياسر عرفات يده، وتردد رابين لومضة من الوقت لأنه ظن أن المصافحة تمت وانتهى أمرها عندما كان الاثنان مع الرئيس كلينتون في صالون الانتظار.

عرفات يمد يده لرابين ورابين يتردد في مصافحته.

وشرح عرفات للرئيس كلينتون عندما عادا مرة أخرى بعد انتهاء المراسم أنه قصد أن تكون المصافحة علنية، ثم ترجم للرئيس الأمريكي المثل المصري الشائع الذي يقول: «يشتمني في زفة، ويصالحني في عطفة».

وكانت تلك محطة هامة على طريق الوصول للحائط المسدود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل - محمد حسنين هيكل
عرض التعليقات
تحميل المزيد