الانفعالات الإيجابية هي قوة محركة للإنسان نحو حياة آمنة وممتعة، وقوة داعمة لتحقيق الأهداف والإنجازات، وقبل ظهور علم النفس الإيجابي كانت الكثير من الدراسات تهتم بالمشاعر السلبية ودراستها وبرامج إدارتها وعلاجها، وفي المقابل قليل من الاهتمام بدراسة الانفعالات الإيجابية، ويذكر سليجمان أن أمام كل 100 دراسة عن المشاعر السلبية مثل الحزن والاكتئاب هناك دراسة واحدة عن المشاعر الإيجابية كالسعادة. (سليجمان، 2005: 16)

ويقول سليجمان: “كان الناس سابقًا يهربون من علماء النفس لأنهم يبحثون في الماضي، والآن بدأوا يتقربون من علماء النفس لأنهم يبحثون الجوانب الإيجابية. فالناس يريدون حياة لها معنى دون أن تضيع حياتهم وهم يحاربون ضعفهم”. (جبر محمد، 2013: 33)

وإذا كانت الدراسات الحديثة تؤكد أن من يتمتع بالانفعالات الإيجابية السارة، يعيش سعيدًا وناجحًا وراضيًا عن حياته ومنجزًا ومنتجًا. إذن فهي الأولى بالاهتمام وأن التركيز عليها يضمن لنا نتائج إيجابية مرغوبة كثيرة. وهنا لا بد أن نتساءل: ما طبيعة العلاقة بين المشاعر الإيجابية والسلبية؟ لنعرف أن الانفعالات الإيجابية ليست عكس الانفعالات السلبية:

1

هناك افتراضان لعلاقة المشاعر الإيجابية بالمشاعر السلبية، الافتراض الأول قديم والثاني حديث أحد نتائج دراسات علم النفس الإيجابي:

الافتراض ثنائي القطب:

ويعني أن أي زيادة في اتجاه (الانفعالات الإيجابية أو السلبية) تؤدي إلى النقصان في الاتجاه المضاد، وهذا اعتقاد سائد أن الانفعال الإيجابي عكس الانفعال السلبي أي أنك إن كنت غير سعيد فأنت بالضرورة حزين، كأنهما على بعد أحادي متصل أي زيادة في أحدهما يعبر عن نقص في الآخر، لكن الدراسات الحديثة تؤكد أن العلاقة غير عكسية بدرجة تامة بين الانفعالات الإيجابية والسلبية، أي أن وجود إحداهما لا يمنع وجود الأخرى، فهناك ارتباط عكسي متوسط أو قليل بينهما، فإن حصلت على قدر كبير من الانفعالات السلبية في حياتك فقد تكون قد تحصلت أيضًا على انفعالات إيجابية كثيرة أو أقل من المتوسط بدرجة ما، فليس هناك حزن دائم ولا سعادة دائمة.

الافتراض ثنائي التغير:      

هو تعديل مهم على الافتراض السابق، حيث يمكن أن يزيد الانفعال الإيجابي دون السلبي، ويمكن أن يزيد السلبي دون الإيجابي ويمكن الزيادة لهما معًا.

أي يمكن أن يحدث في بعض المواقف تنشيط ثنائي للانفعالات الإيجابي والسلبية معًا، وهناك شواهد كثيرة تدل على أنهما ليسا متضادين، فمثلا عندما يحبس المظلوم ثم يضحك أو يسخر من ظالميه أو متعجبًا لحلم الله أو مستبشرًا بنصر الله فهذا يعني أن لديه مشاعر سلبية نتيجة الظلم الذي وقع عليه، ومشاعر إيجابية في أمل بالفرج.

والحجاج بن يوسف الثقفي عندما عزم على قتل أحد التابعين العلماء “سعيد بن جبير” وقد ضحك الأخير بشدة وهو مقبل على القتل أو قل الشهادة، فسأله الحجاج: ما يضحكك وبينك وبين الموت لحظات؟ قال سعيد: أضحك من جرأتك على الله وحلم الله عليك. فابن جبير برده هذا كأنه بادر الحجاج وقتله قبل أن يقتله، وبعدها دعا الحجاج بألا يسلطه على أحد بعده وقد كان.

ومن يسرق حذاءك فابتسم كي لا يسرقك مرة أخرى فيجتمع عليك سرقة مادية ومسرقة معنوية، المهم هنا أن الابتسامة كانفعال إيجابي صاحبت الحزن على المسروق.

وعندما يفقد قائد الجيش صديقه العزيز أو ابنه الحبيب مع خبر الانتصار، فمشاعر الفرحة بالنصر تصاحب مشاعر الحزن على الفقد والفراق، وهكذا يحدث التنشيط الإيجابي والسلبي.

وتجد هذا الحضور المتزامن للانفعالات الإيجابية مع الانفعالات السلبية في عدة شواهد ومن أكثر من ناحية دينية أو اجتماعية أو سيكولوجية، فوفقًا لعقيدة الإسلام لا تتعجب عندما تجد زوجة الشهيد أو ابنته تضحك وتزغرد استبشارًا بمكانته في الجنة وشفاعته لهم، وهذا المشهد في فلسطين وقطاع غزة نراه كثيرًا، وصرنا نراه في بعض البلدان العربية الأخرى.

“ووفقًا للعادات والتقاليد الاجتماعية نجد مشهدًا آخر في اليابان تتواجد فيه مشاعر الحزن الداخلية مع مشاعر الفرح الخارجية حيث إن الآداب العامة والتقاليد تلزم من تلم به طارثة أو محنة أو يتعرض لمشكلة أن يضع على وجهه ابتسامة مصطنعة تسمى (قناع السعادة)، والهدف من ذلك حتى لا يتهم أنه يزيح الأحزان من فوق كاهله أو من فوق كتفيه ليلقي بها على أكتاف الآخرين. (سيد البهاص ومحمد الطيب، 2009 : 98-99)

وبالنظر إلى ظاهر سيكولوجية كالضحك نجد أن الانفعالات الإيجابية والسلبية تبدو مجتمعة في الضحك والبكاء، ففي المشكلات والمحن قد تجد صاحبها يضحك فنقول: “شر البلية ما يضحك”، وقد نجد من هو سعيد بخبر سار يضحك ثم يبكي، وذلك لأنه إذا عجز البكاء عن استنفاذ التوتر وتخليص الإنسان منه وتهدئته انتقلت آثار هذا التوتر إلى العضلات الخاصة بالضحك، فيضحك الإنسان وهو في أشد حالات الألم، كما يبكي أحيانًا من شدة الفرح لأن الطاقة الانفعالية السارة التي بداخله لم تتمكن من الخروج عبر منافذ الضحك فتخرج من منافذ البكاء.

منظور ثنائي التغير ليس القطب، أي أن كلًّا من الانفعال الإيجابي والسلبي يغير في الآخر بنسبة ليس بالضرورة عكسية، فلا نقول إن فلان مشاعر الإيجابية 70% إذن فحتمًا مشاعر السلبية في هذا الوقت 30%، لأنه يمكن أن تكون مشاعره السلبية 50%.

وقد تكون سعيدًا مبتهجًا في بيتك ومحبطًا في عملك في ذات الوقت، فيكون الرجل سعيدًا خارج بيته مبتهجًا على المقهى فيعود لبيته ليخرج مشاعره السلبية المختزنة، وقد يمتلك المراهق شعورًا بتقدير الذات بين أصدقائه، وشعورًا بسوء التقدير في أسرته.

والمثل المصري يقول: “هم يبكي وهم يضحك”، و”شر البلية ما يضحك” أو من المضحكات المبكيات. مما يدل على أن الشعور الإيجابي والسلبي موجودان في ذات الوقت، لأن فكرة أن الانفعالات السلبية عكس الانفعالات الإيجابي تقتضي أنه إن لم تكن حزينًا فأنت سعيد، وإن لم تكن قلقًا فأنت مطمئن، وبالتالي ما يهمنا هو التخلص من الشعور السلبي لأنه بالضرورة سأكون حينها سعيدًا، ولكن هناك من يخلو من المشاعر السلبية وهو غير سعيد وغير مستمتع بحياته ولا ينجز، وقد تجد المريض في حالة من البهجة والرضا والانبساط أكثر من غير المريض. فحيثما كان هناك مكان للانفعال السلبي فهناك مكان مساوٍ للانفعال الإيجابي، وإن ملأ إناء الانفعال السلبي فلا داع لترك إناء الانفعال الإيجابي فارغًا، وإذا تساءلت كيف أكون سعيدًا وأنا مريض أو مبتهجًا وأنا في مشكلة، أقول: أن تواجه الانفعال السلبي ولا توقف الانفعال الإيجابي. وهذا ما دفع العلماء إلى استخدام نظرية التنشيط الثنائي للانفعالات الإيجابية والسلبية معًا.

وللحديث بقية عن علم النفس الإيجابي وموضوعاته.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم النفس

المصادر

جبر محمد جبر (2013) علم النفس الإيجابي.
سيد أحمد البهاص، محمد عبد الظاهر الطيب (2009). الصحة النفسية وعلم النفس الإيجابي، ط1. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
مارتن سليجمان (2005).السعادة الحقيقية: استخدام الحديث في علم النفس الإيجابي لتتبين ما لديك لحياة أكثر إنجازا.ترجمة صفاء الأعسر وعلاء الدين كفافي وعزيزة السيد وفيصل يونس وفادية علوان وسمير غباشي، القاهرة: دار العين للنشر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد