سنطلع اليوم على كتاب قل أن نجد له نظيرًا في المكتبة العربية، وللأسف قل أن نجد من يعرف مؤلفه الذي دفع حياته وحياة زوجته ثمنًا لما كتبه في هذا الكتاب وفي غيره من مؤلفاته.

وسنكتفي هنا بتقديم قراءة تفصيلية للفصول الثلاثة الأولى من كتاب «الملل المعاصرة في الدين اليهودي» مع موجز عن أهم الآراء التي توصل إليها الكاتب.

سيرته الذاتية

الكاتب هو الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي ولد عام 1920 في مدينة يافا في فلسطين المحتلة وكان والده قاضيًا شرعيًا في المدينة، حيث تلقى العلم على يد والده، ثم درس الحقوق في الجامعة الأمريكية ببيروت، وفي كلية الحقوق بالقدس، ثم عمل في الحكومة الفلسطينية حيث كان حاكمًا (محافظًا) للواء الجليل، وبعد عام 1948 سافر لإتمام الدراسة، فالتحق بجامعة إنديانا ثم جامعة هارفارد.

وحصل على درجة الماجستير في كل منهما، كما حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1952م، وبعد الدكتوراه في عام 1954 ذهب إلى الأزهر الشريف لأنه شعر بأنه بحاجة إلى التبحر في العلوم الشرعية الإسلامية.

مؤلفاته

من أهم مؤلفاته «أطلس الثقافة والحضارة الإسلامية»، «الأصول الصهيونية في الدين اليهودي»، «أسلمة المعرفة»، «الديانات الآسيوية الكبرى»، «صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية»، وكتاب «الفكر والثقافة الإسلامية»، و«الأطلس التاريخي للأديان في العالم»، و«كتاب الإسلام والعصر الحديث» والكثير مما لا يسع المجال ذكره، بالإضافة إلى ترجماته لبعض مؤلفات محمد حسين هيكل والشيخ الغزالي وخالد محمد خالد وغيرهم، وقد استشهد في عام 1986 بالولايات المتحدة الأمريكية إثر استهدافه من عميل للموساد.

مقدمة كتاب الملل اليهودية

قدم لهذا الكتاب الدكتور كامل الشريف وزير الأوقاف والشئون الإسلامية الأسبق في المملكة الأردنية الهاشمية حيث أشار إلى بذل الفاروقي جهدًا كبيرًا لإلقاء الضوء على التيارات المعاصرة في الدين اليهودي وما مرت به من تطورات وتقلبات في التاريخ، كتغلب النزعة القبلية العنصرية على التراث الروحي في ملة إبراهيم عليه السلام ورواج فكرة الشعب المختار، وأثنى الشريف على الإنصاف والأمانة العلمية التي تحلى بها الدكتور إسماعيل الفاروقي في الدراسة، وفي تفريقه بين الفكرة العنصرية (الصهيونية) وبين التيارات اليهودية التي بقيت موالية للتراث الروحي اليهودي، والتي أطلق عليها الحنيفية في مقابل العنصرية.

البداية

هذا الكتاب دراسة عن تبلور الدين اليهودي منذ المنفى البابلي والمراحل التي مر بها وصولًا إلى الملل المعاصرة في الدين اليهودي كالملة الإصلاحية والأرثوذكسية والملة المحافظة وكيف نشأت كل منهم على حدة وعقائد كل ملة والمنعطفات التي مروا بها، كما ناقش الكتاب «الصهيونية» أو بمعنى أدق حركة الانتقال من القومية الدينية إلى الدين القومي.

والدكتور الفاروقي وبسبب دراسته للفلسفة واطلاعه عن قرب على عقائد الدين اليهودي وإجادته التامة للعربية والفرنسية والإنجليزية، فضلًا عن التزامه بالمنهج العلمي الموضوعي، هو من أكثر الكتاب العرب الذين برعوا في هذا النوع من الكتابات، والفاروقي يرى أن المستقبل لــلحنيفية رغم انحسارها الحالي.

وهذا الكتاب هو مجموعة محاضرات ألقاها الدكتور على طلبته في قسم البحوث والدراسات الفلسطينية، وحتى يومنا هذا تعتبر كتبه مرجعًا هامًا للطلبة والأكاديميين في الجامعات العربية والأجنبية.

الفصل الأول «السبي والتلمود»

قسم المؤلف كتابه إلى 8 فصول، وكما أسلفنا فسنكتفي في هذا المقال باستعرض الفصول الثلاثة الأولى، ففي الفصل الأول بين المؤلف أن تبلور الدين اليهودي جاء بعد نفي عظماء وكبار اليهود من يهودا إلى بابل، فيما عرف باسم السبي البابلي، وأشار إلى حياتهم في المستعمرات التي أقامها لهم البابليون والمنعرجات التي تعرضوا لها، وكان أهمها اندماج بعضهم في المجتمع البابلي وأصبحوا فيها كالمواطنين البابليين، في حين أن قسمًا آخر منهم تمسكوا بالعودة إلى أورشليم، وكيف حاولوا الحفاظ على معتقداتهم بل وأعادوا بلورتها بما يتماشى مع الواقع الجديد في بابل، وكان لزعيمهم الروحي حزقيال دور في تثبيت اليهود وتصويره ما يحدث لهم كنوع من الابتلاء والتمحيص والتنقية من الرب «يهوه» لعباده ويشير الفاروقي أنه في تلك الفترة بالتحديد أعيدت صياغة أو بمعنى أدق تحريف التاريخ اليهودي القديم، حيث أعيد نظمه وتنسيقه في ذلك العهد، فجاءت الأسفار مليئة بنزعة العودة والتمسك الشديد بالطقوس القربانية ونظام الكهنوت، وكذلك أضيف إلى الكثير من الأسفار الكثير من العظات الرادعة لشعب إسرائيل عن الاندماج والانصهار في العالم، كما تأسس الكنيس كنظام تعبدي وقد اضطروا لذلك نظرًا لأنه لم يكن في استطاعتهم العودة إلى أورشليم.

وقد تغير المجتمع اليهودي من مجتمع كان يقوم على طقس ديني واحد ألا وهو القربان في الهيكل الواحد، إلى مجتمع يقوم على التمسك بالتراث والقانون، وأصبحت هويتهم تتحدد به، وقد تبلور تفوق القانون في عهد «عزرا»، حيث قام الإصلاح العزراوي على القانون وضرورة التمسك به، وعليه فقد فقدت السلالات الكهنوتية مكانتها وحل محلهم معلمو القانون وكتبته وأصبح القانون مطلقًا وأبديًا وكان من جراء هذا أن أقفل باب النبوة في إسرائيل (بزعمهم)، وقد وصل بهم القول إلى أنه «ما دامت إرادة الله في القانون فما الحاجة إلى أنبياء جدد» على حد زعمهم، وعليه أصبح التطلع إلى زعماء أو شبه أنبياء لتطبيق القانون، ومن ثم جاءت مرحلة تفسير القانون وتوريقه، وأشار الفاروقي إلى ملاحظتين عن تطور الدين اليهودي في عصر المنفى منها نظرية الملائكة والشياطين تأثرًا بالفرس، بحيث إن هزيمتهم ونفيهم أوحى إليهم أن يهوه لم يعد دائم الوجود بينهم، ولهذا جاءت الملائكة كوسيط!

الملاحظة الأخرى التي نبه إليها الفاروقي هي «نشأة الوعي الأخروي عند اليهود» وهما خطان:

خط يرى الآخرة عودة إلى أورشليم وإقامة المملكة الداوودية على يد مخلص يلم شتات اليهود العنصري، وخط آخر يرى أنها كبعث لشخص ومحاكمة عن الأعمال في الدنيا ثم الإحالة إلى ملكوت الله، فخط مادي عنصري جغرافي شعبي، وخط روحاني شخصي ديني.

وأوضح العلامة الفاروقي كذلك في هذا الفصل، نشأة التلمود وما يضمه من مبادئ ميتافيزيقية ودينية، وأنه يعبر لنا عن تفكير اليهود وواقعهم عبر القرون العشرة التي نشأ بها وتم تأليفه فيها، ثم تحدث عن دور المدارس التي نشأت كمدرسة يوحنان بن زكاي بعد هدم الرومان الهيكل والكيان اليهودي سنة 70 للميلاد، وكان من أهم آرائه أنه يخشى من قيام إسرائيل السياسية، ثم ألقى الضوء على دور يوحنان ومدرسته في يبنا في جمع الكتاب المقدس وإقناعه اليهود بأن النص الذي في أيديهم هو النص النهائي.

وما لبثت «مدرسة يبنا» أن تسببت في اضطهاد اليهود على أيدي الرومان بعدما ادعى الربان «عقيبا» أحد دراسي القانون أنه المخلص وقاد ثورة على الرومان انتهت بقتله.

ثم أشار الفاروقي مجددًا لدور المدارس في شمال فلسطين، بعدما انتهى الاضطهاد في 138 ميلادية، وما تضمنته من عمليات تدوين فيما عرف بالتلمود الفلسطيني في 390 للميلاد، في حين دون التلمود البابلي في أوائل القرن السادس الميلادي، وتقسم مواد التلمود سواء الفلسطيني أو البابلي إلى حلقا وهجادا، فالأولى المواد المنظمة للحياة اليهودية، علمانية كانت أو دينية، شخصية أو مجتمعية، ويعني بالثانية المواد القصصية والتاريخية والأدبية التي جاءت مفسرة أو ممثلة أو مجسمة لأحكام الحلقا.

الفصل الثاني «الجيتو»

أما في الفصل الثاني فقد تحدث الفاروقي عن الدين اليهودي في القرون الوسطى، حيث خضعوا في مرات تحت سطوة المشعوذين منهم ممن يدعي أنه المسيح المنتظر، ويرى الفاروقي أن أهم مظاهر الانحطاط الفكري كانت نشأة مذاهب صوفية مغالية كالقابالا في محاولة للهروب من الاضطهاد في أوروبا ومن تعصب رجال القانون أنفسهم، ثم تحولت حياة اليهود إلى مادة وبيولوجيا من خلال تصنيف «الشولحان آروخ» الذي عد كلتمود صغير لا يقبل النقاش، ثم تطرق الفاروقي للجيتو وأثره في الدين اليهودي، مشيرًا إلى أن معاملة النصارى والكنيسة في أوروبا لليهود، ودفعهم بالقوة إلى التجمع في كانتونات أو جيتو تحت حجج لاهوتية، زاد من تلاحم اليهود فيما بينهم، حتى إن اليهود في بعض المناطق لم يتعلموا لغات الأقوام في البلاد التي يعيشون فيها، بحيث أصبح اليهود مواطنين من الدرجة العاشرة.

وتابع «استمر ذلك إلى أن تم الاعتراف بالنظام المللي، حيث أصبح الحاخام هو الآمر الناهي لليهود في الجيتو ومن هنا قامت حياة الجيتو كلها على القانون أي التوراة، ومن هنا ساعد الجيتو على الحفاظ على القانون ويهودية اليهودي».

الفصل الثالث «التنوير والتحرير»

أما الفصل الثالث، فقد تناول الفاروقي عصر التنوير والتحرير وأثره على العلاقات بين المسيحيين واليهود في أوروبا التي بدأت في مدن إيطاليا وتعدتها إلى مدن أوروبا الأخرى، وعليه زاد الاتصال بينهم لا على الصعيد التجاري فقط وإنما على الصعيد الاجتماعي وشمل ذلك القصر البابوي، وإن كان الكاتب (الفاروقي) أكد من خلال عدد من الأدلة أن الاتصال لم يكن مقطوعًا في العصر الوسيط، حتى إن اليهود في عصر التنوير عادوا إلى الهجرة من مناطق أتاحت لهم الحريات كهولندا، إلى مناطق قد اضطهدوا فيها من قبل كإنجلترا وفرنسا، فلقد جاءت حركة التنوير في أوروبا لتنشر الحرية والعدل ومع هذا فإن دخول اليهود في الحياة السياسية والاجتماعية الأوروبية ظل بطيئًا إلى أن قامت الثورة الفرنسية وما تبعها من حملات لنابليون.

رد موسى مندلسون

وكان الرد اليهودي الأول على حركة التنوير هو لموسى مندلسون فرغم أنه كان شديد التمسك بتراثه اليهودي حتى إنه ترجم التلمود إلى الألمانية حيث ولد إلا أنه رأى ضرورة أن يحرر المفكر من قيوده الدينية، أما السلوك فلابد له أن يتقيد بشريعة اليهود، وكانت له إسهامات كبيرة في الحضارة الغربية، إلا أن مشكلة التحرير الكبرى بالنسبة للدين اليهودي كانت أن اليهودي لم يكن له ولاء للدول التي عاش بها فهو لا يوالي إلا توراته وتلموده والمشكلة الثانية لليهود كانت علمانية الدول الأوروبية، ولهذا أحدث التحرر في الجسد اليهودي تصدعًا كبيرًا وكان السؤال الذي يطرح نفسه كيف لليهودي الاحتفاظ بمكاسب التحرير دون التطويح أو الإطاحة بما يسمى «الأمة اليهودية» والدين اليهودي، وهذا السؤال الذي انقسم اليهود في الإجابة عليه إلى ثلاث ملل وحتى الحركة الصهيونية حاولت الإجابة على هذا السؤال.

الخلاصة

حتى نفهم ما أراده الأستاذ الفاروقي لابد لنا من استعراض كامل الكتاب، وليس الفصول الثلاثة الأولى فقط، ولهذا سنقوم باستعراض بقية الفصول في موضوع آخر، والخلاصة الأولية أن الدين اليهودي شهد تحولات بسبب ما تعرض له من المسيحيين الأوروبيين من اضطهاد وتضييق كـ«الجيتو»، وإن كان اليهود قد استخدموا «الجيتو» للحفاظ على كيانهم وعقيدتهم، وبعدها جاء عصر التنوير وتحرر اليهود وتفوقوا على الأوروبيين في كافة المجالات كالتجارة والصناعة والعلم، وقد بدأت القوميات الأوروبية في الظهور، ومن هنا بدأ اضطهاد اليهود في أوروبا في بعض المناطق نتيجة تلك النزعات القومية، وجاءت الصهيونية لتعيد انكماش اليهود وذلك خوفًا من الحركات اللا سامية، الأمر الذي حدث مع ظهور النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا وغيرها، واندلاع الحرب العالمية الثانية، وهذه العوامل أدت لاندماج اليهود في الحركة الصهيونية، ولهذا رأى اليهود أن حركة التنوير والتحرير الأوروبية قد أخفقت لأنهم يرفضون الذوبان في الكيانات الأوروبية، كما أنهم لا يريدون العودة إلى «الجيتو» لما فيه من استعباد وشقاء، ولهذا بدأ اليهود يفكرون في الصهيونية وجدواها والهجرة لفلسطين المسلمة، وما أراد الفاروقي أن يوصله لليهود عامة أن فلسطين يومًا ما ستتحرر ولا شك أنه قريب، والحل بالنسبة للكاتب إسماعيل راجي الفاروقي رحمه الله هو ميثاق كميثاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى يهود المدينة، بحيث يدير اليهود شؤونهم بأنفسهم لا اضطهاد ولا ذوبان ولا اعتداء وإنما حياة بسلام وفي أمان، لأن الظلم والاعتداء على الآمنين واستهداف الأقصى والمقدسات الإسلامية التاريخية وأهل فلسطين لن يجر على كيان الاحتلال إلا الدمار  والخراب والتيه مجددًا في الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد