تعد رواية منسي من روايات السيرة الذاتية فهي تحكي قصة حياة منسي صديق الطيب صالح وحكاياتهما معًا، ولو أن الرواية احتوت على قصص تاريخية بطريقة سلسلة تتناسب مع الأحداث.

تبدأ القصة من وفاة منسي والخلاف حول دفنه؛ فهو قد كان قبطيًا من صعيد مصر، ثم أسلم بعد ذلك وتزوج للمرة الثانية من امرأة سعودية. أما زوجته الأولى فقد كانت أمريكية تزوج بها وهما في إنجلترا حينها كان يعمل في إذاعة BBC كممثل بأدوار ثانوية، وزوجته كانت تنتمي للطبقة البرجوازية فأقام معها في منزلها وتمتع بمالها.

كان منسي صاحب وجه ضحوك ودعابة حاضرة وصاحب حيلة لا تخطر على البال، وكان حسن المعشر يدخل قلب كل من يلتقي به فأحبه الطيب صالح حبًا جمًا، وكان يسعد بتصرفاته، ويحس بأنه أبوه الروحي من شدة ارتباطه الوثيق به لذا كان هذا الكتاب.

وكان لمنسي باع في اللغة الإنجليزية مما خوله لأن يكون دبلوماسيًا في التعامل مع الإنجليز. كما أنه يتمتع بخاصية الماء فهو يتشكل على حسب البيئة التي يوجد فيها. فعندما يذهب لأهله في المملكة العربية السعودية كان يرتدي الدشداشة، والغترة، والعقال، وعندما يعود لبلاد الغرب يرتدي زيهم ويتحدث لغتهم. ويحمل ثلاثة أسماء فهو منسي عندما كان قبطيًا، وأحمد عندما أسلم، ومايكل في جوازه الأمريكي.

كان منسي يتلقف الفكرة من فم الطيب صالح فيتولاها كاملة وكأنه صاحبها. وذات مرة اجتمع علماء من العرب واليهود بخصوص قضية فلسطين، فدُعِي لها الطيب صالح فطلب من منسي مرافقته، وفي طريقهما للذهاب سأله منسي عن قضية فلسطين. وبعد انتهاء المحاضرة حشر منسي المحاضر ريتشارد كروسمان الذي كان يدافع عن اليهود في زاوية ضيقة وانتصر للعرب مما صنع له قاعدة وسط الحضور وخصوصًا العرب. فهو بعد أن أسلم فتح مركزًا للدعوة الإسلامية وعمل على نشر الإسلام بقدر استطاعته في تلك البلاد مع مراعاة أنه درس القرآن في صعيد مصر قبل أن يسلم وكان حافظًا لشيء من القرآن الكريم.

وفي إحدى المحاضرات التي أقيمت في جامعة أكسفورد والتي اجتمع فيها العرب واليهود عن بكرة أبيهم لأول مرة كان المحاضر الدكتور توبيني قد تحدث عن اضطهاد الأوربيين لليهود في الماضي وصلبهم في الشوارع، وتعجب كيف لشعب سبق له أن عانى أن يفعل ما يفعله بالفلسطينيين اليوم. وأيضًا تحدث عن القضية الفلسطينية بحيادية وقال إنها شر يقوده شر ودعى للتسامح وإفشاء روح السلام في أثناء حديثه. ومع اندماج المستمعين وقف منسي بطريقة درامية وألقى نظرة فاحصة للحضور، ثم دار نصف استدارة نحو المحاضر وقال بصوت جهور مليء بالفخر: «بروفيسور… إنني استمعت إلى محاضرتك القيمة باهتمام بالغ، ووجدت فيها أشياء كثيرة تدعو للتفكير. وأود بادئ ذي بدء… أن أشكرك جزيل الشكر… بالأصالة عن نفسي… والإنابة عن الحاضرين… وأظن أنني أعبر عنهم جميعهم حين أقول… إنها كانت محاضرة قيمة… ومفيدة جدًا… ولكن اسمح لي أن أقول… أنني دهشت حقًا… أن أسمع مؤرخًا مثلك… مؤرخًا عظيمًا مثلك، ليس معروفًا عنه أنه معادي للعرب… بل لعلنا نحن العرب نعدك واحدًا من أصدقائنا… نعم، أدهشني قولك… إن العرب طول تاريخهم… أساءوا معاملة اليهود اضطهدوهم وعذبوهم…».

نظر إليه الكل مذعورين وسرت همهمة في الحضور. فأجلسه الطيب صالح بعد شد، وبدت على الدكتور بوينتي علامات الخيبة فأحس بعدم إيصال فكرته كما يود. وبعد انتهاء المحاضرة سأل الطيب صالح منسي عن سبب قوله لما سبق مع تعارضه لحقيقة كلام البروفسور، فقال له إنه غفى أثناء المحاضرة ولم يفهم الحديث.

كان منسي محبًا للسفر، والطيب صالح بحكم عمله كان كثير الأسفار وفي معظم رحلاته كان منسي مرافقًا ومساعدًا له في عمله بحكم دهائه، وعندما حاول الطيب صالح الحصول على فيزا للدخول لأستراليا رفض رئيس القنصلية منحه التأشيرة إلا بعد أسبوعين، فخرج الطيب صالح غاضبًا، وكان منسي في صحبته ينتظره خارج مكتب المدير، فلما غادر الطيب صالح القنصلية دخل بعده منسي للمدير مستخدمًا جوازه الأمريكي باسم مايكل، وبعد زمن ليس بالقليل اتصل سكرتير المدير ليطلب من الطيب صالح الحضور لأخذ الفيزا. وهذا كله لأن منسي أخبر المدير بأن الطيب صالح رجل ذو شأن في قطر، وأنه كاتب مشهور وذائع الصيت.

كان منسي فقيرًا معدمًا، ظل يعمل بدأب إلى أن صار صاحب شركة للسياحة ومباني ومدارس لتعليم اللغات وسيارات، ورجل ذو مال وأعمال.

في محاباته للجاليات العربية استطاع أن ينتحل شخصية ممثل العرب في إحدى مقابلات الملكة في قصر بكنغهام وفتح معها حديث مطول. وكان الطيب صالح شاهدًا على تلك الأمسية التي انتهت بسلام. وعندما انكشف أمر منسي استيقظ في صباح اليوم التالي في بيته على وجوه رجال غلاظ حملوه إلى السجن بتهمة التجسس لصالح مصر. وفي مصر اُتهم بالتجسس لصالح بريطانيا، لينتهي الأمر بإخلاء سبيله بعد أن اتضح لهم أنه إما أحمق أو مجنون. وغيرها الكثير من القصص العجيبة والطريقة في آن واحد.

في الرواية يخاطب الطيب صالح الإنسان فهي تحمل مضمون الدعوة إلى التصالح والسلام ونبذ الحروب. إضافة إلى السيرة الذاتية. وتتخلل الرواية أبيات شعرية تتوافق والمشهد كما تحمل وصفًا للأماكن التي زارها الطيب صالح برفقة منسي وطرائف منسي وقصصه الممتعة.

وهي من الروايات التي تستحق القراءة فهي بسيطة وسهلة تجذب القارئ إلى معالمها وتجبره على تتبع أحداثها. كيف لا وهي للكاتب السوداني الأشهر الطيب صالح صاحب رواية موسم الهجرة إلى الشمال المختارة ضمن أفضل مائة رواية عالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رواية, منسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد