أية أحوال سياسية واقتصادية وتجارية سادت بالأمس القريب أفرزت حاضر اليوم؟

هل نحن مقبلون على عالم مليء بالانقسامات والصراعات الحاده؟

أطل برأسه في الانتخابات النمساوية العام 2000، شكلت هذه بداية طفو اليمين على سطح الغرب الديمقراطي؛ ليحقق حزب الحرية اليميني فوزًا بزعامة يورغ هايدر، أهله للمشاركة في الائتلاف الحاكم، لم يستمر الائتلاف الحاكم في السلطة؛ لأنه واجه رفضًا دوليًا لوجوده على رأس سلطة دوله ديمقراطية كالنمسا، بالاشتراك مع حزب يميني متطرف، خاصة من الحكومات الغربية والولايات المتحدة، والتي لم تأل جهدًا في سبيل إسقاطه مهما كلف ذالك من ثمن، فلأول مرة في تاريخه جمد الاتحاد الأوروبي عضوية النمسا وفرض عليها عزلة سياسية واقتصادية، وسحبت الولايات المتحده سفيرها من فيينا بدعوى التشاور معه.

لم يكتمل العقد الثاني حتى شهد العالم اليوم اتجاهًا سياسيًا متسارعًا نحو اليمين في أكثر بلدان العالم، ومنها البلدان المتقدمة، لتعاني حتى العولمة من نقد السياسيين، وحتى من تلك المجتمات التي هلل سياسيوها ونخبها لقدومها وبشروا بمنافعها وانسجامها مع تطلعات الغرب نحو الانفتاح وحرية تنقل الأفراد والسلع والأموال دون عوائق، ومواءمتها للفلسفات الأخلاقيه الذي دأب الغرب الترويج لها على مدى العقود الأخيرة، حقوق الإنسان، وديمقراطية الحكم، وحرية المعتقدات.

ما الذي حدث اليوم؟ ولماذا تحاول أكبر دولة الانكفاء على ذاتها، بينما ساهم خبراؤها وأدواتها المالية الجبارة في صياغة تشريعات منظمه التجارة الدولية وفرضت على كثير من الدول القبول بها والتوقيع عليها. هذه الدولة جعلت حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية والانفتاح على العالم الجديد النيوليبرالي، عالم العولمة الواسع دينها الجديد الذي جعلته معيارًا لصلاح الآخرين، وبشر به ليل نهار رهبانها السياسيون، وروج له قسرًا أحبارها الماليون، من أمثال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وألمبشرين من أصحاب الياقات البيضاء الذين حفظ كثير منهم دروسهم في مدرسة الأعمال التابعة لهارفارد.

لم تكن الانتخابات الأمريكيه كسابقاتها من الانتخابات منذ الحرب العالمية الثانية وصولًا إلى سنوات الكساد الكبير، نهاية عشرينات القرن الماضي، والذي بطش بالاقتصاد الأمريكي ونهش مفاصله، هذه الانتخابات قد جاءت بممثل اليمين ترامب ليحتل الرقم الخامس والأربعين في سلسلة الرؤساء المتعاقبين على المكتب البيضاوي منذ تأسيس روما الجديدة جمهورية الحلم الأمريكي العظيم.

في يوم من أيام يناير (كانون الثاني) الباردة وصل كبار المدعوين لحفل التنصيب الذي أقيم في ساحة مبنى الكبيتول في 20 يناير (كانون الثاني)، وفي حنجرة البعض منهم غصة ترامب، فهذا كلينتون سبق وأن وصفه ترامب خلال حملته الانتخابية بأسوأ من تعامل مع المرأة في التاريخ الأمريكي، ومنهم بوش الابن الذي اتهمه بالكذب بشأن العراق، ومن المدعوين من اعتذر عن الحضور لرفضهم ما اعتبروه جنوحًا غير مألوف في السياسة الأمريكية.

وفي أجواء احتفاليه سادها شيء من الحزن والغضب والخوف والانقسامات الذي لم تشهده الساحة السياسية الأمريكية، وتظاهرات امتدت من كبريات المدن الأمريكية، حتى كثيرًا من مدن العالم, هذا هو يوم احتفالات التنصيب لترامب الذي جاءت به الانتخابات الأمريكية عبر كبار الناخبين مخالفة لكل التوقعات التي فاجأت الجميع بمن فيهم فريق حملته الانتخابية.

شهدت حملة مرشحي الحزبين كل صنوف التنافس والمزاحمة واستغلال كل شيء للتشهير المتبادل وبامتياز كما يجري في بلدان العالم الثالث المبتدئة. تجاوز ترامب كل معقول متجاوزًا القيم الأمريكية المعلنة، وكما كان يعمله الإسكندر المقدوني وجنكيز خان وغيرهم من زعماء العالم القديم، أعلن أنه سيطلب إتاوات من الدول الذي يؤمنون لها الحمايه وذكر بعضها بالاسم.

جلس على مكتبه بعد الاحتفالات ليوقع على حزمة قرارات سبق إعدادها على عجل، إظهارًا لوفائه بوعوده الانتخابية، وبما يشبه البيان رقم واحد 1 انقلب على ما درج عليه أسلافه من الرؤساء الأمريكيين في سياساتهم الخارجية، ووقع على مرسوم بناء جدار مع المكسيك واعدًا الشعب الأمريكي تسديد نفقاته من المكسيك، مرسوم منع مواطني سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة حتى الحاصلين على الجرين كارت، مُبَلغا كل سلطات المطارات في العالم كله، والتي اجتهدت مخلصة لسيد البيت الأبيض الجديد؛ فمنعت حتى حملة الجنسية الأمريكية من مواطني هذه الدول من العبور إلى الولايات المتحدة عبر مطاراتها، كما وعد بإعادة بناء القوات المسلحة في الوقت نفسه، ووعد بتخفيض الإنفاق العام، والانسحاب من بعض التحالفات التجارية.

ليست كل هذه المراسيم الرئاسيه وما سيتلوها من مراسيم وتنفيذ سياسات ستكون أشد قسوة وأنكأ تأثيرًا هي كل ما دفع الرافضين بفوزه النزول إلى الشوارع تعبيرًا عن رفضهم لوجوده في أعلى موقع سلطة عالمية، فالمتأمل في الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها مواطنو أكبر اقتصاد في العالم، والتغيرات التي عصفت بالنظام السياسي- الاقتصادي- التجاري الذي رسخته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وحققت من خلاله رفاهيتها المفرطة قد بدأ يتهاوى ويتداعى بنيانه، تزامن وترافق مع هذا تآكل الهيبة الأمريكية في العالم، وتراجع تأثير الردع لقواتها المسلحة نتيجة لتنامي قوى الدول المنافسة مثل روسيا والصين.

إن المشهد الحماسي والمتعجل في التوقيع على حزمة القرارات الرئاسية لإظهار عزم وحزم إدارة ترامب، ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد الطافي على سطح المياه، وما تحته أعمق وأخطر ومبعثًا على الخوف، فهناك العناد الروسي الذي يتصدى لسياساتهم في أكثر من مكان، منغصًا ومكدرًا صفاء ما يمكن للدبلوماسية الأمريكية إنجازه هنا وهناك، لهذا يعتبره الأمريكيون خصمهم اللدود، وظني فيما أتوقعه عن طبيعه الأهداف الأمريكية وإستراتيجياتهم أنهم لن يصمتوا طويلًا تجاه روسيا، وسيتعاملون معها بكل الوسائل، دون سقف محدود، وهناك الصين التي صعدت بسرعة الريح اإى الصفوف الأولى، وباتت تحتل موقعًا عالميًا مرموقًا يتطلع إليه الجميع.

وفي غفله من الأمريكيين وعلى مرأى ومسمع منهم في ذات الوقت، نشأ اقتصاد كبير غزير الإنتاج مفرط المرونة والحركية، اقتطع لنفسه جزءً غير يسير من كعكة التجارة العالمية، وبات إنتاجه يهدد الآلة الصناعية الأمريكية الجبارة بالتعثر، إذا لم يكن قد تعثر بعضها، وأصبحت منتجات الورشة الصينية تحتل أهم رفوف ولمارت وفريدماير وغيرها، ولا غنى عنها للمستهلك الأمريكي، كما ضاعف من مشاكل الاقتصاديين الأمريكيين مصدرو السلع الرخيصة عند حدودهم الجنوبية وما وراءها.

أصبح الإنتاج الصناعي الأمريكي في مرحلة معاناة بنيوية، وأضحى غير قادر على منافسة المنتجات الأسيوية والقادمة من المكسيك والبرازيل في عقر داره، كان ذلك نتيجةً للروح الأمريكية المتسامحة مع مصدري السلع الأجنبية إلى الأسواق الأمريكية يغذيها حماس العولمة باعتبارها منتجًا غربيًا خالصًا يخدم في النهايه أهدافهم كما اعتقد خبراؤهم، ساعد على ذالك وغافلهم التدفق الناعم والسلس لفوائض البترودولار ومشتريات أذونات الخزانة الأمريكية من معظم دول العالم ليجري المال اللازم بهدوء في شرايين الاقتصاد الأمريكي مدعومًا بقوة واستقرار الدولار، والذي وهبه قوته الحقيقية احتياطات كل دول العالم المودعة في البنوك ومؤسسات المال بالدولار، والذي حال إصابته بوعكة صحية خفيفة تتتدخل كل البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم للحفاظ على صحته ورفاهيته، فضلًا عن أن معظم التبادل النقدي الدولي والمقاصه الماليه تجري بالدولار؛ مما ينتج عنه عوائد مالية كبيرة تحققها الأسواق المالية الأمريكية، والتي يتعامل معها كل العالم، من شركات وأفراد ودول.

فهل سيقبل الأمريكيون بتفكيك النظام المالي والتجاري والجيوسياسي الذي بنى جزأه الأساسي الأمريكيون، ويسمحون للصين بإنشاء مؤسسات موازية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ولو في شكله الإقليمي كما ذهبوا في تأسيس بنك أسيا للتنمية، والاستمرار في إغراق أسواقهم بالسلع الصينية الرخيصة؟

وهل سيقبل الأمريكيون بمناوشات ومشاكسات الروس وإفشال أو عرقلة بعض خططهم هنا وهناك؟

ليس من السهل أن يقبل الأمريكيون بواقع اليوم المر مقارنةً بواقع الأمس المريح لثرائهم ورفاهيتهم، وامتلاكهم لزمام القوة الغاشمة المطلقة، والتي تضفي طابعًا من العناد والإصرار والتحدي على مشاعر رغبة الهيمنة والتحكم في الآخرين، يسنده ميراث كبير من التفوق العلمي والتكنولوجي والمالي والدبلوماسي والعسكري مشوبًا بإحساس دفين بالتفوق والتميز على الآخرين.

خلال مسيرتهم المظفرة من بحبوحة العيش والطمأنينه، وحماية حاملات الطائرات، والدبلوماسية الناعمة القوية المدعومة بالقوة أحيانًا، وبالمكافآت المالية أحيانًا أخرى، عمل الآخرون بجد ونشاط وهدوء بلا ضجيج وضمن الأطر التي كانت الولايات المتحدة قد رتبتها لما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصهً ما بعد عقد سبعينات القرن الماضي، فأنشأوا اقتصادات صناعية كبيرة وفق المعايير الرأسمالية، فهذه الصين يحقق اقتصادها متوسط نمو سنوي قدره 10% لمدة 30 سنة متتالية، معجزة بحق لم يسبق إليها أحد، وبحسب الإحصاءات والدراسات الرزينة توقع الخبراء والمختصون بناءً على المعطيات أن الإقتصاد الصيني سيتجاوز الاقتصاد الياباني، والذي يحتل الاقتصاد العالمي الثاني في 2025، وما هي إلا بضع سنوات حتى تجاوز الاقتصاد الصيني نظيره الياباني في العام 2009 مخالفًا بذالك توقعات أفضل الخبراء.

وبالرغم من الصدمات التي تعرض لها الاقتصاد الأمريكي كأزمة 2007 المالية التي تسببت في إفلاس مئات الشركات والبنوك، ومنها مؤسسات مالية عملاقة، منها مؤسسة ليمان براذر وفريدي ماك وفني ماي كان بعضها بسبب العبث بالنظام المالي والتحايل الذي أدخل سندات دون أصول للتداول في البورصات، وقبلها خسارة الموقع الريادي لصناعة الحديد والصلب مفخرة أمريكا، وتراجع صناعة السيارات في ديترويت شبه الكلي، مسقط رأس السيارات الأمريكي التليد منذ أن كانت فكرة لصالح موطن صناعة السيارات الأسيوية الجديد في تكساس، إلا أنهم لم يتمكنوا من فتح أعينهم على العالم الجديد الذي ساهموا بجزء كبير في ميلاده ليدركوا المتغيرات التي استجدت باليسر الذي تم في غفلة من بحبوحتهم.

هذه هي أمريكا اليوم، دين عام يقترب من ال 20 ترليون دولار، وبنية تحتية متهالكة، وصناعات أمريكية مهاجرة، وعجز في الميزان التجاري بلغ 502 مليار دولار عام 2016، وهذا هو العالم الجديد، الصين تنمو بقوة، وتزاحم على المسرح الدولي وترفض ما كان قائمًا حولها في بحر الصين الجنوبي وبقوة وإصرار، وتذهب بسفنها الحربية بعيدًا، مقتربة من الشواطئ الأمريكية ولأول مرة، وتحقق فائضًا في ميزانها التجاري مع أمريكا بلغ 347 مليار دولار عام 2016؛ ليسجل أكبر عجز في الميزان التجاري بين البلدين، وروسيا تُفشل خطط الولايات المتحدة في الهلال الخصيب، وتظهر قوتها العسكرية المعززة بأحدث منتجاتها، هذان عالما ترامب الداخلي والخارجي اللذان ينتظراه، فهل سيتمكن من فعل شيء دون المساس بالسلم الدولي؟ أم ستدفعه الأوضاع الاقتصادية العويصة إلى النشاط الإمبريالي كما قال آدم سميث، كفيلة هي الأيام بكشف ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

US balance of trade
US trade deficit risees to 502 billion for 2016
US economy
عرض التعليقات
تحميل المزيد