وجهة نظر

هل يمكن أن تَقتُلَ أباَكْ؟ هل يمكنُ أنْ تدفعكَ الظروفُ إلى قتلْهِ؟ أيًا كانت هذه الظروفْ هل تفعلهاَ؟ حتمًا ستقولُ لا وألفُ لا.. لا يمكن!

طيب السؤال بصيغةٍ: هل يمكنْ أن تتعاطفَ مع شخصٍ قتلَ أباه أو حتى فكّرَ أن يفعلْ؟ هنا ربما الأمر يختلف من شخصٍ لآخر، وهذا باعتقادي ما حاول فيودور دوستويفسكي أن يقوله في روايته هذه الإخوة كارمازوف فماذا يعني بقتل الأب؟

أولًا لمراجعة الرواية لا بد لنا من إلقَاءِ لمحةٍ عن بعض جوانب حياةِ دوستويفسكي، ولد فيودور دوستويفسكي في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1821 بموسكو، وهو الابن الثاني لوالديه. وترعرع في منزل العائلة قرب مستشفى ماريانسكي للفقراء والذي يُعتَبر حيًّا فقيرًا من الطبقة الدنيا على طرف موسكو، كان دوستويفسكي خلال لعبه في حديقة المستشفى يشاهد المرضى المُتألّمين، والذين يُعتَبروا أسوأ المرضى حظًا حيث إنهم من الطبقة الدنيا، اطّلع دوستويفسكي على الأدب منذ صغره. في الثالثة من عمره، كان قد طالَع الملاحم البطولة والحكايات والأساطير الخرافية، كُلّ هذا كان عبرَ مُربيتِه ألينا فرولوفنا التي أثّرت عليه كثيرًا في طفولته وعندما بلغ الرابعة، قامت أمّه بتدريسه الكتاب المقدس ليتعلم من خلاله القراءة والكتابة. وقد عرّفه والداه بمختلف أنواع الأدب، من ضمنهم الأدباء الروس مثل كرامزين وبوشكين.

إن دخول دوستويفسكي السجن مع الأعمال الشاقة في سيبيريا لمدة أربع سنوات (وهذا بعد أن نجى من عقوبة الإعدام بالرصاص) ربما كانت كفيلة لأن يخرج لنا هذا الكم من البؤس والمعاناة في مؤلفاته، حيث تركت أثرًا عميقًا عليه وتخلى بذلك عن أفكاره الراديكالية، وأصبح أكثر تقبلًا واحترامًا للأفكار الدينية والمثل التي عرفتها روسيا، لم يكن دوستويفسكي أبدًا ملحدًا.

بدأ دوستويفسكي روايته بسؤال جوهري (ما اللافت في أليكسي كرامازوف حتى أجعله بطلًا لقصتي؟ ماذا استطاع إنجازه؟ ما الذي اشتهر به؟ لماذا على القارئ أن يصرفَ وقتًا لمعرفةِ وقائع حياته؟

إنه سؤال ذكي من دوستويفسكي يجلب بذلك القارئ حتمًا ويشده ويظل يشغله أيضًا ما سيفعل هذا «البطل» حتى ينال هذا اللقب دون شخصيات الرواية الأخرى. (الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فھي تبقي وحدھا. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثیر».

يرى البعض أن تصدير دوستويفسكي كتابه بهذه الآية من الإنجيل أن النفس البشرية والروسية لن تبعث من جديد إلا بعد أن تجتاز أزمة عميقة؟

تدور أحداث الرواية في أجزائها الأربعة الحاسمة والمثيرة في مدة شهر تقريبًا! حول عائلة مشتتة، عائلة فيودور كرامازوف الأب، والأبناء: الأول من الزوجة الأولى ديمتري كرامازوف، والابنين الآخرين: إيفان، وأليكسي، ويطلق عليه أليوشا كرامازوف، من الزوجة الثانية، والابن غير الشرعي سميردياكوف ابن متشردة مجنونة، حيث الأب فيودور كرامازوف رجل انتهازي إلهه المال وصلاته النساء، عربيد متزلف مهرج في أحيانٍ كثيرة، وهو أيضًا أب غير مسؤول مستهتر سارق لميراثِ أولاده، بحيث تخلى وبسهولة وعن طيب خاطر بأولاده الثلاثة إلى عوائل أخرى لتربيهم وتأخذهم على نفقتها، لكن ما إن يكبر الابن الأكبر ديميتري أو ميتيا حتى يصبح عربيد يحب المال والنساء والفجور تمامًا كوالده فيعود إلى أبيه ويطالبه بميراثه بعد أن تم طرده من العسكرية لكن الأب يرفض وبكل حيلة وخساسة منحه شيء من ميراثه وتتعقد الأمور حين يقرر الإبن قتل والده إن منعه من المال ويزيد دوستويفسكي في حبك الرواية ويضيف تفصيلًا أو حدثًا آخر، وهو وقوع الابن والأب في حب نفس المرأة اللآهية العابثة بهما معًا من أجل المال لتطور أحداث الرواية وتصل إلى ذروة التشويق بقيام ديمتري بمحاولة قتل والدهِ، لكنه يتراجع في آخر لحظة ويهرب متسللًا عبر سور الحديقة، ويسرع إلى اللحاق بمحبوبته غروشينكا التي فضلت حبيبها السابق عليه، وبينما هو لاهٍ في تحت تأثير الخمر وموسيقى الجوق حتى يظهر ضابط الشرطة والمفتش أمامه لاتهامه بقتلِ ابيهِ واقتيادهِ للسجن.

يظهر جليًا من خلال أحداث الرواية والقصة عمومًا ما في نفس دوستويفسكي من قلق ينبئ عن مشكلات فلسفية ومسائل إنسانية تحيط بفكر دوستويفسكي فتراه ساعة ملحدًا لا يؤمن بوجود الله، وأحيانًا في قمة الإيمان والرهبنة ويظهر ذلك من خلال الحوارات التي جاءت على لسان أبطال الرواية خاصة في حوارات إيفان في بداية الرواية عن علاقة الدولة والدين (وفي حواره مع الشيطان خاصة)، أليكسي في حواره مع الراهب زوسيما، وأيضًا حوار سميردياكوف وإيفان، كما يظهر من خلال أحاديث الشيخ زوسيما مع مريديه في ليلة موته، الأفكار التي ينادي بها في إعتقادي دوستويفسكي من حب الإنسانية والعدل والمساواة بين السيد والخادم ونبذ العنف والشر وحديث عن المحبة والصلاة في قوله الصلاة على الميت تصل روحه فيفرح بها ويباركهما الرب، أحبوا البشر رغم خطاياهم، أحبوا خلق الله جميعا حتى النبات والحيوان فهذا الأخير بدون خطيئة، عليكم بالرفق واللين لا يجوز للمرء أن يحكم على أقرانه أو يكون قاضيًا على من أخطا، بل دعه لعذابه، وسوف يدين نفسه لوحده، حديث عن الجحيم والنار الأبدية، وتأمل صوفي يتصور أن نار جهنم ليست مادية، ولو كانت كذلك فإنها تتيح للمعذب أن ينسى العذاب الروحي الرهيب، حتى شخصية ديمتري ميتيا المتهم بقتل والده يكشف عن شخصية نبيلة محبة مضحية أيضًا، وهذا ما جعل البعض من المجمتع يتعاطف معه أثناء المحاكمة.

دمتري كارامازوف: أظن وحسب ما رود في حواشي الرواية التي بين قوسين كانت مفيدة ورائعة إلى أبعد حد حيث يكون اسم ديمتري كرامازوف وهو ثوري حاول قتل القيصر الروسي فيما مضى في اعتقادي ربما تأثر دوستويفسكي به ونسج الرواية وأطوارها وحبكتها على هذا البطل إذًا ديمتري ربما هنا يمثل ابنًا حاول قتل والده العاق، وهناك هو بطل حاول قتل القيصر العاق لشعبه!

شخصية الشيخ زوسيما أو الراهب الأكبر ربما هو شخصية حقيقية التقى بها دوستويفسكي في حياته الشخصية وأثرت فيه بشكل ظاهر وعميق ويظهر من خلال قصة المرأة التي جاءت للشيخ الأكبر تبكي وفاة ابنها وهو نفس السن الذي مات فيه ابن دوستويفسكي والقصة التي رواها الشيخ لمواساة المرأة هي نفس القصة التي واسى بها الشيخ دوستويفسكي في موت ابنه الأصغر أليكسي حسب تصريحات زوجتهِ.

تعدد الشخصيات في الرواية والحوارات الشخصية، حديث النفس والهلوسة أحيانا بذلك يُلبس دوستويفسكي نفسه ويتقمص كل شخصية بمواصفاتها الظاهرة، بأطوارها، أفكارها وأحاسيسها، يفهم من ذلك أنه غير متعصب لفكر معين بل متطلع وفاهم لكل هذه الأفكار ومتسامح معها، بالإضافة إلى ذلك نجد دوستويفسكي الفيلسوف، الراهب، الملحد، الطفل، العاشق، المحامي والقاضي كله في شخص روائي خارق.

التسلسل السلس والجميل والمثير للأحداث والحبكة القصصية والأسلوب الشيق لدوستويفسكي مما يدع القارئ متلهف لأحداث الرواية وما سيحدث مع شخصياتها، غير أن النهاية كانت تقريبًا مفتوحة فلم نعلم هل نجح ميتيا في الفرار من السجن والذهاب مع حبيبته إلى أمريكا كما خطط له، وماذا عن بقية أبطال الرواية! تركنا دوستويفسكي للغموض؟

لم يكن دور ألكسي أو أليوشا كما أسماه دوستويفسكي بطلًا للرواية بمعنى البطل، إلا في كونه كما أعتقد أنه قد نجى من صفات أو الجينات الوراثية لعائلة كارامازوف المشهورة بالعبث، وحب المال، والنساء.

كانت بحق نادرة وملحمة وليست فقط رواية أودع فيها دوستويفسكي، وهي آخر أعماله، كل اهتمامه عامين من العمر، ولخص فيها ما جال في خواطره وفي مجال سبر غور النفس البشرية حيث يظهر البؤس والفرح الخير والشر الجريمة والعقاب والتعاطف مع الجاني الإيمان والإلحاد وحوار مع الشيطان كل ذلك عند فيودور دوستويفسكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد