كيف يجب أن تختار ما تقرأ ؟

القراءة هي البداية لكل شيء وهي كذلك النهاية، فكل شيء كان حروفًا وكلماتٍ قد وصل إلينا عن طريق القراءة. فمنذ أن علم الله آدم الأسماء كلها ونقشها القدماء في بلاد الرافدين ومصر على الحجر، وعندما خطها نبي الله إدريس بالقلم، جاءت أقوامٌ بعدهم وقرأوا ما قالوا ونقشوا وكتبوا، ووصلت إلينا كل قصصهم وعلومهم منذ ذلك الأزل بطريقة مبهرة، واعتمد كل رواد العلم على قراءة كل ما هو مخطوط ومرسوم ومكتوب لاستمرار سير البشرية وبناء الحضارات وكل حضارة تُكمل ما بعدها.

القراءة هي عماد لكل الثقافات وهي البداية لكل الحضارات فما من مملكة أو امبراطورية أو دولة إلا ازدهرت ونشطت بالقراءة، وتسابقت الأمم لإثراء دور القراءة والكتابة في بناء مجتمعاتها فقد تباهت ببناء المكاتب ودور القراءة وروجت لمنافسات أدبية وثقافية وتشجيع الكتاب والقراء على المضي في ترسيخ وتأريخ كل ما تنتجه تلك الحضارة من علم وثقافة وتطور. والقراءة أيضًا هي سلاح خطير يهدم الأمم والعقائد عن طريق التأثير السلبي والتدمير الذاتي. أقبلت بعض الجماعات والسلطات في شتى الأزمنة على غرس مفاهيمَ خاطئةٍ وعقائدَ مغشوشةٍ لتفكيك بعض الأمم والثقافات عن طريق نشر المقروءات بين أوساط تلك الأمم مع استخدام الترويج الممنهج لتصل لأكبر عدد ممكن من المؤثرين.

وهذا ما يحصل في زماننا الحالي مع المجتمعات العربية والإسلامية التي أصبحت عاداتها وعقائدها مثل العجوز الهزيل الذي يرتكز على عصا منخولة تكاد أن تقع من شدة المؤامرات عليها بعد أن كانت تقود الأمم والبشرية نحو الازدهار في مختلف الأزمنة. أصبح مثقفو المجتمع العربي يروّجون لأفكار ومعتقدات دخيلة ويدمرون الأُسس التي بُنيت عليها ثقافتنا وعقائدنا وهذا بعد أن تأثروا بالكُتّاب والمؤثرين الغربيين أو لنقُل «الغرباء»، فالإلحاد والمثلية الجنسية والانحلال الأخلاقي والعلمنة والتنوير كلها نتائج لتلك المعتقدات الدخيلة.

قد يظن البعض أن دور الأسرة والمدرسة هو الأهم في تحول أفكار الشباب المعاصر، هذا صحيح فهذا له الدور الأكبر في هذه النقطة التحولية لحياة الشباب العصرية؛ لأن هي الحاضن الأساسي لهم في هذه المرحلة، ولكن في رأيي أن الدور الأهم لهذه المعضلة هي الكتب التي نقرؤها!

قد يقوم الوالدان بتشجيع أولادهم على القراءة والدراسة، والمدرس يلقن الطفل العلم والمعرفة ويثري مخزونه العلمي وتستمر العملية حتى يصل الطفل إلى مرحلة المراهقة المتمثّلة بالانفراد الفكري والعزلة المعرفية ويسعى بعدها لتطوير ذاته وتنمية عقله بما يواجهه في حياته، هذه هي نقطة التحول ففي هذه المرحلة تصبح أفكار الطفل المراهق مشتتة ويبحث عن المعرفة ذاتيًا عن طريق قراءة الكتب المتنوعة ليغني فضوله عن تلك الأفكار وتتنوع اختياراته وينجذب إلى العناوين المضللة التي تثير فضوله، ومن هنا يبدأ التدمير الذاتي لمعتقد الطفل الذي نشأ عليه وتنغرس فيه الأفكار الدخيلة.

ولذلك فأمة اقرأ يجب ألّا تقرأ ما هب ودب من الكتب والمنشورات، ولكن الحكمة في القراءة هي باختيار ما يستحق القراءة، ما يبني العقول، وليس ما يدمرها، ما يُستفاد منه وليس ما يُخدع به، ما يحفزك وليس ما يضللك، وكما قال الروائي البريطاني ادوارد لايتون «كن سيد الكتب لا عبدها، اقرأ لتعيش ولاتعش لتقرأ». القراءة هي ذلك البناء العظيم والكُتب هي اللبِنات التي يُرفع بها ذلك الصرح العظيم فإذا فسدت إحدى اللبنات سقط البناء على روؤس عامريه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمة, اقرأ, يجب
عرض التعليقات
تحميل المزيد