فاجأت دولة قطر دول منظمة أوبك بقرارها المفاجئ، حول انسحابها من المنظمة، والتي استمرت عضوًا فيها لمدة 57 سنة، هذا الانسحاب الذي سيفعل بداية يناير (كانون الثاني) من مطلع العام المقبل، لا سيما وأن قرار الانسحاب القطري يأتي على بعد أيام قليلة من اجتماع حاسم ومصيري بين أعضاء منظمة أوبك وحلفائها، لاتخاذ بعض القرارات التي من شأنها المساهمة في استقرار أسعار النفط عالميًّا، خاصة وأن دول المنظمة تواجه تحديات وإكراهات عدة على المستويين الإنتاجي والإداري؛ بسبب العقوبات الأمريكية على إيران، التي تعد أحد أعضاء منظمة أوبك، إضافة إلى الارتهان السعودي لقرارات إدارة الرئيس ترامب.

وبينما تعد هذه الإمارة الخليجية واحدة من أصغر الدول المنتجة للذهب اﻷسود بين دول أوبك، فإنها تعد من الدول الرائدة والأولى المنتجة للغاز الطبيعي المسال عالميًّا، بجانب روسيا.

ويشكل الغاز المسال إلى جانب النفط أهم مصادر الدخل القطري، والتي تعد بين أعلى دول العالم في مؤشرات الدخل الفردي، ويأتي قرار انسحاب قطر، بالرغم من أن الكثير من المراقبين والمحللين يرونها خطوة رمزية- تأتي بعد الحصار المفروض عليها منذ أكثر من عام من دول الطوق الخليجي، بجانب نظام السيسي العسكري في مصر، والتي انتهت بقطع العلاقات الدبلوماسية بعد اتهام الدوحة بدعم التنظيمات المتطرفة، ومطالبة هذه الدول بغلق قناة الجزيرة، التي شكلت لهم صداعًا نصفيًّا داخل أنظمتهم القمعية، خاصة وأنها تعد منبرًا لكل مفكري الوطن العربي وكتاب الرأي والصحافيين من مختلف المشارب والألوان الأيديولوجية.

وربما تأتي هذه الخطوة المفاجئة من قطر من أجل خلط الأوراق بين أعضاء دول أوبك؛ إذ إن هناك صراعًا سياسيًّا بين إدارة الرئيس دونالد ترامب مع المنظمة، والتي يتهمها بأنها السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار النفط عالميًّا، خاصة وأن السعودية امتثلت لرغبات إدارة البيت الأبيض في زيادة الإنتاج اليومي للنفط لتعويض النقص الحاصل في السوق العالمي من النفط الإيراني، المشمول بالعقوبات الأمريكية.

ومن الأسباب الرئيسية، في نظري، أن اتخاذ الدوحة لمثل هذه الخطوة، لم يأت اعتباطًا، بل أتى بعد تفكير عميق ودراسة رزينة، وبعد مشاورات ما وراء الأبواب المغلقة، التي ربما خلصت إلى أن منظمة أوبك تواجه تحديات وجودية وحقيقية ومخاطر سياسية، أوسع نطاقًا، في ظل المتغيرات الجيواستراتيجية التي نعرفها منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل المناخ السياسي العالمي المتغير على مستوى التحالفات والتكتلات.

خاصة وأن هناك تقارير إعلامية وصحافية، تشير إلى أن إدارة الرئيس ترامب أوعزت بشكل رسمي إلى وزارة العدل الأمريكية، بمراجعة التشريعات والقوانين المتعلقة بدول منظمة أوبك؛ إذ إنه في حالة – ما جرت المصادقة على مشروع قانون Nopec فإنه سيفتح الباب نحو استعمال ترسانة الآليات القانونية ضد أعضاء المنظمة، بموجب قانون Sherman، لمكافحة الاحتكار لعام 1890، والذي استخدم سابقًا منذ أكثر من قرن لتفكيك إمبراطورية النفط للملياردير الأمريكي جون روكفلر.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن قطر عندما اتخذت قرار الانسحاب من المنظمة – بغض النظر عن التصريحات الرسمية التي أدلى بها المسؤولون القطريون حول أن قرار الانسحاب جاء بناء على رؤية واستراتيجية بعيدة المدى لتطوير الغاز المسال، والتوجه نحو التنويع في مصادر الدخل- فإن هذا القرار موجه أساسًا للسعودية التي تعد أكبر منتج للنفط بأوبك والعالم؛ لأنها تعيش في أزمة ومأزق بسبب ارتهانها لرغبات الرئيس ترامب، وأصبحت المنظمة بدون فائدة تذكر، وبالتالي تعرية ظهر السعودية التي كشفت عن عورتها السياسية والاقتصادية للعالم بسبب ارتهان قرارتها في المكتب البيضاوي بواشنطن، ويمكن أن نرى على المدى القريب إنشاء منظمة بديلة ﻷوبك، تكون هناك دول جديدة، خصوصًا وأن هناك سباقًا محمومًا للتنقيب عن النفط في شرق المتوسط بين تركيا وإسرائيل بوصفهما أكبر لاعبين إقليميين في المنطقة، إضافة إلى وصول الدب الروسي إلى المياه الدافئة لشرق المتوسط عبر سوريا.

وبهذا تكون قطر أول دولة شرق أوسطية تغادر أوبك منذ تأسيسها عام 1960.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!