«عندما رأيته لأول مرة خيل إليّ أنه كهل بالفعل، ولكن ما إن تحدث معي حتى تضاءل سنه وبدا لي في الخامسة والثلاثين».

في هذه العبارة تصف آنا زوجها الكاتب الكبير دوستويفسكي كما رأته لأول مرة، ويظهر جليًّا وصفها الجانب الروحي له، والذي نعرفه فيما بعد أنه المسيطر على تلك الشابة الجميلة صغيرة السن كبيرة العقل، طيبة النفس.

عندما تبحث في أعمدة ولب العلاقة بين آنا وزوجها أثناء قراءتك لمذكرات آنا، إلى جانب الملامح والتفاصيل الدقيقة التي ترويها آنا عن زوجها، تجد نفسك دائمًا في حاجة ملحة إلى اكتشاف حقيقة هذا الثنائي الفريد، عملاق الأدب الروسي ومساعدته، قد تظن أنك ستقرأ عن أحاديثهم ومناقشاتهم في الأدب، والفلسفة، والسياسة، وما إلى ذلك من الموضوعات التي التي تملأ ذهن أي كاتب، فما بالك بدوستويفسكي، من الممكن أيضًا أن تقع بالفخ نفسه الذي وقعت به آنا، وهي تتخيل دوستويفسكي ضجرًا ببساطتها، حتى تصدمك فطرة هذا التوأم العظيم في عالم معقد مادي كعالمنا.

نحن لسنا فقط في حاجة إلى اكتشاف أسرار النفس البشرية في روايات دوستويفسكي، وقد أجمع أهل الأدب على عبقريته الفريدة، نحن أيضًا بحاجة إلى معرفة هذا الكائن المبدع، وكيف أن عبقريته ثمرة نضجت من رحم المعاناة والطهر والبساطة!

في مذكرات آنا غريغوريفنا تجد ضالتك.

«وهل تتصورين بأن امرأة ستقبلني زوجًا؟ وأي امرأة أختار راجحة العقل أم طيبة القلب؟

  • راجحة العقل طبعًا كي تناسبك.
  • كلا أفضل امرأة طيبة القلب تشفق على وتحبني».

كان هذا نص حوار دار بينهما عن الزواج، وقد استدرجها إليه دوستويفيسكي أثناء عملها معه، وهو عاشق شبه يائس، إن كان واقعيًّا أو محبًا حالمًا بقلب يدرك قلبًا بنفس لينه ونقائه، ولا أبالغ في هذا!

في حوار آخر يسأل الكاتب آنا:

«ما رأيك، هل تستطيع فتاة شابة أن تحب فنانًا عجوزًا مريضًا مثقلًا بالديون؟ لنفترض أن الفنان هو أنا، والبطلة أنت، فما رأيك؟»

فتجيب: «لو كان الأمر كذلك فعلًا لأحببتك، أحبك وسأظل على حبي مدى العمر».

بعد ساعة أخذ دوستويفسكي يخطط لمستقبلنا، ويسألني رأيي في التفاصيل، وكنت عاجزة عن الخوض فيها من فرط السعادة.

اتفقنا على كتمان سر خطبتنا مؤقتًا إلى أن تنجلي الملابسات، وعندما ودعني هتف مبتهجًا: «وجدت الجوهرة أخيرًا. وأجبته عسى ألا تكون حجرًا». هكذا قالت آنا، وأقول أنا أنها البطلة فعلًا كما وصفها فيدور، فليست مجرد نجم، بل هي أم جسور على هيئة شابة صغيرة جميلة متواضعة.

أعتقد أن هذا الجزء ملخص، بل دعونا نقول لبا آنا وزوجها ومفتاحهما؛ فهي كما ذكرنا الفتاة الجسور المحبة المتفانية، وهو العاشق الصادق الذي لا يتردد عن عناق أمله الطاهر في الحياة.

دون مكر أو تردد، ودون أن يرتكب إثم الشك فيما أفضت روحه إلى قلبه!

تقول آنا: «عجزت عن الكتابة ذات مرة في موضع من الفصل التاسع من المراهق» – مشهد انتحار الفتاة- فسألني متحيرًا:

– ماذا بك يا عزيزتي؟ أنت شاحبة جدًّا، هل تشعرين بوعكة؟

– كلا وصفك أرعبني.

– يا إلهي، هل يعقل أن له تأثير بهذه الشدة؟ اعذريني آسف جدًّا.

كنت بالنسبة إليه كاشفًا يعكس مدى نجاحه في التأليف، فأنا قارئته الأولى، وهو يعتز برأيي ويؤكد أنه تيقن مرارًا من صحة انطباعاتي بعد اطلاعه على آراء القراء والنقاد.

من أبرز ملامح علاقتهما أيضًا الصبر على البلاء، والبراءة التي قد تحسبها سذاجة لدى دوستويفسكي، تتحمل هي إلى النهاية، وقد يتساءل البعض كيف لأديب كهذا أن يكون ساذجًا إلى هذه الدرجة؟

في رأيي المتواضع أن الفنان المبدع يستطيع أن يرى حقائق المتضادات جلية، نتيجة صدقه الشعوري، لكنه لا يكون إلا نفسه النقية على فطرتها، وفي الحقيقة هو لا يستطيع غير هذا وإن بدا أنه عنيد، ولكن في رأيي أن العند وحده لا يكفي؛ بل هو لون على حسب عين الرائي،

إنها العبقرية التي تكابد لتنجب لنا مبدعًا نقيًّا مطهرًا لقبح وصل العالم له في غفلته، أكبر أسلحته المرآة الصادقة التي يعكس بها ما أصاب قلبه من سهام الإلهام، وإن تأملنا مرض دوستويفسكي الذي يمثل جانبًا بارزًا من حياته، سنجد أيضًا تلك الشابة بالصفات المقدسة سالفة الذكر، في مشهد آخر، آثرت عندما شعرت آنا بآلام الوضع، أن تتحمل الألم ولا توقظ زوجها الذي نام بعد نوبة صرع أصابته، حتى تصل إلى غاية الألم فتذهب إليه فلا ترى إلا نظرة ضعيف مسكين ما لبث لحظات حتى سقط مجددًا في فراشه. فتقول آنا: «تأثرت بعجزه التام، وحنانه النزيه»، نعم يمكنك أن ترى في هذه المذكرات لونًا آخر للجمال!

تقول آنا: «كنا في الأمسيات نتجادل في مواضيع شتى، وفي الجدال تطفو خلافاتنا الفكرية حول مسألة النسوية خصوصًا، فقد كنت من حيث السن والميول من جيل الستينات الذي تميزت نساؤه بالنزعة التحررية والرفض العدمي، وكان فيدور لا يحب الروافض، ويشمئز من (رجولتهن)، وخشونتهن، وعدم اكتراثهن بمظاهر الأنوثة، وكان يؤلمني في نقاشات زوجي معي أنه ينكر على نساء جيلى صلابة العود والمثابرة في بلوغ الهدف المنشود، لكن موقفه من المرأة تبدل تمامًا في السبعينات، عندما ظهرت على المسرح نساء مثقفات وذكيات فلا ينظرن إلى الحياة بمنظار حاد. وفي تلك الفترة أكد في مجلته «يوميات كاتب» أنه يعلق آمالًا عريضة على المرأة الروسية التي «أخذت تبدي المزيد من المواظبة الجدية، والصدق، والعفة، والتضحية، والبحث عن الحقيقة» على حد تعبيره.

وهنا نذكر أن آنا في أول لقاء لها مع الكاتب المشهور رفضت السيجار؛ ليس لأنها لا تدخن فحسب؛ بل لأنها أيضًا تشمئز من مظهر أي امرأة تدخن، وأعتقد أنه كان لهذه الأنوثة وقعها في قلب الكاتب، وأعتقد أن آنا تعلم ذلك، ولهذا عرضته على القارئ، بالإضافة لعرضها موقفها من أن يسندها رجل في وسيلة مواصلات، أو يقبل يدها في مصافحة، مما هو متعارف عليه.

الزوجان والشعب

ربما تكون الفطرة النقية هي ضالة الثقافة، والعودة إليها هو الهدف من الدين، ولآنا وفيدور فطرة تنتمي إلى الشعب، وأعتقد أن الباحث عن الفطرة قد يجده في محصلة ما قد يعتقد أنه سذاجة الشعوب، خاصة إن كان من النخبة المكتظة بالغرور، لكن الزوجين خرجا عن هذا النص اللزج، إلى نص كقطر الندى في صباح حقل بعيد.

لقد كان دوستويفسكي يؤمن بأن الإنسان طيب بطبيعته، إلا أن المجتمع يفسده

ويقول فيدور دوستويفسكي أيضًا: «إن الفكرة التي صنعتها لنفسي عن الواقع والواقعية، تختلف تمامًا عن فكرة واقعيينا ونقادنا. إن مثاليتي، مثلًا، أكثر واقعية من كل ضروب الواقع التي يتحدثون عنها. يا إلهي! أمام أيّ وصف ذكي لما عشناه نحن معشر الروس، خلال السنوات العشر الأخيرة من تاريخ أخلاقنا، ألن يصرخ واقعيّونا بأن هذا كله من قبيل الخيال؟ ومع هذا، كل ما عشناه كان حقيقة، وكل وصف له يبدو وصفًا حقيقيًّا، إنها الحقيقة. والحقيقة هي الواقعية الأكثر عمقًا: أما واقعيتهم فإنها لتطفو على السطح. وأنت بواقعيتهم لن يمكنك أن تصف ولو قدرًا ضئيلًا من الوقائع التي تحل في عالمنا حقًا. أما نحن فإننا وصلنا بمثاليتنا إلى التنبؤ المسبق لما سيكون عليه الواقع بعد حين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد