إن شكر أبي عبيدة لإيران لم يكنْ في ضوء شكر الواجب أو مغازلة حميمية، وإنما شكرٌ له ما بعده؛ فالشكر موقفٌ سياسي واضح وفي ذات الوقت لم يكن الشكر بالأمر المفاجئ، فلقد سبقه اجتماعات عدة ليس بأولها زيارة وزير الخارجية الإيراني لمشعل في مكتبه بالدوحة منتصف العام، وآخرها زيارة وفد رفيع من حماس مطلع ديسمبر الحالي لشخصيات إيرانية بارزة.

تلقى الشعب الفلسطيني دعمًا إنسانيًّا وسياسيًّا من عديد من الدول والجماعات على مستوى العالم، إلا أن ما ميز العلاقة بين إيران وفلسطين أنها زودت قوى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس بالمال والسلاح والتكنولوجيا.

في حين نأت أقرب الدول الحليفة لحماس بنفسها عن وحل التسليح والتمويل لحركة تتصدر قائمة الإرهاب الأمريكية. ولما له من آثار سياسية واقتصادية سلبية على بلادهم، وهنا أقصد تركيا وقطر. وللإنصاف فإن السودان أكثر الصادقين في دعم فصائل العمل المسلح إلا أن بهم خصاصة.

ومنذ أن أصبحت حركة حماس قوة لا يمكن تحييدها عن خارطة المصالح في الشرق الأوسط، قامت جمهورية إيران بمدها بالسلاح والمال، ولكن الحقيقة أن دعمها كان محدودًا ومتدرجًا، حيث إن حماس طلبت مرارًا وتكرارًا من إيران أن تضاعف دعمها العسكري؛ إلا أنها استمرت في تزويدهم بالسلاح بقدره المحدود.

ففي حين كانت صواريخ فجر 5 تملأ مخازن حزب الله كانت حماس تستصرخ جمهورية إيران بأن تزودها صواريخ جراد ذات مدى 40 كم، في حين أن الساحة الفلسطينية أحوج للدعم من الساحة اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. والحقيقة أيضًا أن حماس لم تتلقَ دعمًا أسخى من دعم إيران؛ لكن كان باستطاعة إيران تقديم المزيد في الوقت الذي كانوا يمرون بشهر عسل خالٍ من الخلافات.

جذور الخلاف:

تعود جذور الخلاف الإيراني- الحمساوي إلى نهاية عام 2010 بسبب الأزمة السورية بعد انخراط أفراد من حماس في الثورة السورية، وتباينِ موقف حماس الرسمي تجاه النظام السوري – الحليف الاستراتيجي لإيران- ومنذ ذلك الوقت انخفضت العلاقات بين الجانبين إلى الحد الأدنى، لكني أزعم أنها لم تنقطعْ طيلة تلك الفترة؛ فقد مدت إيران حركة حماس في فترة القطيعة بفتات أموال.

لماذا هذا التقارب في هذا الوقت بالذات؟

وفاة الطفل الكسيح الذي يسمى “الربيع العربي”، وولادة ثورات مضادة مع خروج حماس من حرب العصف المأكول الأخيرة منهكةً؛ وفي ظل تهدئة أوهن من بيت العنكبوت، والمصالحة القطرية المصرية التي قد تقوِّض الإخوان المسلمين. بالإضافة إلى تلكؤ حكومة الوفاق تجاه غزة. هذه العوامل وغيرها دفعت بحماس إلى الإمساك بالحبال الإيرانية والالتجاء بعباءتها خوفًا من المؤامرة التي تحاك ضدهاز

وفي المقابل فإن إيران أدركت أنها أصبحت سيئة السمعة في الوسط العربي والإسلامي، ولا يوجد “صابونة” أطهر لها من الساحة الفلسطينية، ودعوني أزعمَ أن الشكر كان مطلبًا إيرانيًّا لإحياء العلاقة.

يبدو أن الجانبين عادا ليتحدثا بلغة المصالح؛ فإيران تحتاج حماس الفصيل المقاوم الأقوى في الساحة الفلسطينية، وحماس تريد إيران بعد اشتداد التضييق المحلي والدولي عليها. لذلك سيسعى الطرفان إلى إدارة الخلاف حول الملف السوري لصعوبة إنهائه، وما يدلل على ذلك هجوم الرئيس السوري بشار الأسد اللاذع على حماس حتى بعد زيارة الوفد الحمساوي الرفيع إلى إيران.

إن مراجعات حماس لعلاقاتها وتحالفاتها في نضوج الآن، بعد أن بانت عورة قوتها في السياسة الخارجية لأسباب عدة، أهمها تقييد نفسها بتحالفات الجماعة الأم الذي أدى إلى انعزالها تارة، وخسارة حلفاء تارة أخرى.

فلئن تتعامل حركة حماس على أنها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية وسطية أسلم لها وأنفع في هذا الوقت، بدلاً من أن تدخل في دوامة صراعات في الساحة العربية لن تربحها ولو كانت في الحلف الأقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد