نتناول في هذا الجزء تجديد الاستراتيجيات الدولية المتعلقة بالتنمية والسلام. الفصل السابع، التنوع الثقافي: بُعد أساسي من أبعاد التنمية المستدامة:
لا توجد وصفة جاهزة لتنمية المجتمع، ولا يوجد نموذج وحيد ينبغي أن تستند إليه استراتيجيات التنمية، وإن كانت هناك افتراضات واسعة الانتشار ترى عكس ذلك، والتنوع الثقافي، على الرغم من أنه يصوَّر أحيانًا على أنه يمثل تحديًا للتماسك الاجتماعي، هو، على العكس من ذلك. وقد أدت أيديولوجية التنمية في أحيان كثيرة إلى الإضرار بالنسيج الاجتماعي، وبالأسس الاجتماعية المترسّخة عادة في تقاليد التضامن الجماعي، للمجتمعات المحلية التي حصلت على معونة تنموية، ولما كانت لا توجد أي استراتيجية تنموية يصح القول بأنها محايدة ثقافيًا، فإن إتباع نهج تنموي يراعي الثقافات هو السبيل إلى معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المترابطة التي يواجهها كوكبنا ككل.

وبهذه الطريقة أصبح يُنظر إلى الثقافة في الفكر التنموي على أنها حاجز يحول دون تحقيق النمو. وبناءً على ذلك فإن سياسات السوق الليبرالية وتحرير التجارة التي دُعي إليها في تسعينات القرن العشرين كانت تنطلق من فكرة أن السياسات التي نجحت في تحفيز النمو الاقتصادي في البلدان الغربية من شأنها أن تُسفر عن تحقيق نمو في أماكن أخرى، بصرف النظر عن السياق الثقافي.

ففي سياق ياباني مثلًا قد يُرى أن مدونة الشرف الخاصة بالساموراي ومؤسسة كايتو كودو التعليمية تؤديان دورًا في اقتصاد قائم على المسؤولية الجماعية، والولاء للشركة، والثقة الشخصية، والعقود الضمنية.

وقد استندت بعض البلدان، مثل جمهورية كوريا، إلى تقليد كونفوشيوسي في ممارساتها المتعلقة بالشركات. وثمة تقاليد ثقافية أخرى، تتسم بمفهوم اجتماعي، وليس سوقيًا للتجارة، تتحدى ضمنًا ربط التنمية بتعظيم الربح وتكديس السلع المادية.
وهكذا يتجلى البعد الثقافي للتنمية الذي ينبغي أن يأخذ في الحسبان الديناميات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المعنية، وعدم كفاية الوعي الثقافي لدى المنظمات الدولية والحكومات الوطنية بشأن الجماعات المحلية التي من المقرر أن تحصل على معونة أمر يمكن أن تكون له عواقب مفجعة للغاية في حالات النزاع والأزمات. من ذلك نموذج توزيع مواد الإغاثة من المجاعة في السودان عام 1998.

مما قد يتطلب نهج دينامي لفكر التنمية. نهج يستغل أوجه التآزر بين التنوع الثقافي وحقوق الإنسان يتمثل في الفكرة الدينامية التي مفادها أن الثقافات هي مسارات نحو المستقبل؛ إذ من اللازم تحديد نُهج كلية تشمل جميع المعايير ذات الصلة (أي المعايير الاجتماعية، والتاريخية، والاقتصادية، والثقافية)، لكي تؤخذ في الحسبان الثقافات باعتبارها الوسائل التي يتسنى بها التمكين.

كذلك يمكن أن تكون السياحة المجتمعية، والسياحة الإيكولوجية، والسياحة المساندة للفقراء وسيلة فعالة للإفلات من براثن الفقر عندما تعود بالفائدة حقًا على المجتمعات المحلية بتحسين ظروفها المعيشية مع إحيائها لثقافاتها المحلية وربط تلك المجتمعات بالسوق العالمية.

أما من حيث الصلات بين التنوع البيولوجي والتنوع الثقافي فقد قامت اليونسكو بدور هام في إذكاء الوعي بتلك الصلات. وعلى سبيل المتابعة، كشف تحليل أكثر تعمقًا عن وجود سبعة من بينها: العلاقات الاجتماعية والتنوع الثقافي.. من بينها: العلاقات الاجتماعية (بما في ذلك الارتباط بالمكان)؛ ونُظم المعتقدات.

ومن ذلك يقدم التقرير إطارًا معنيًا بالإدارة المحلية للموارد الطبيعة وللتنوع البيولوجي.

ويتمثل الهدف من ذلك في إطلاق القدرة على الطموح، وتمكين الأفراد والجماعات، بعد أن يكونوا قد أصبحوا على وعي بحقوقهم الإنسانية وبقيمتهم الأساسية، من المشاركة في تحديد التنمية الخاصة بهم المبادرات التشاركية.
من ذلك الاستجابة لتغيُّر المناخ: هل هو تحدٍ ثقافي؟

إذًا يبين التقرير العواقب البيئية لتغيُّر المناخ التي قد تؤدي بين أمور أخرى إلى نزوح السكان على نطاق واسع الأمر الذي من شأنه إلحاق ضرر شديد بالاستمرارية والتنوع الثقافيين؛ حيث إن التنمية المستدامة المتمحورة حول الإنسان تفترض مسبقًا مشاركة أفراد ممكّنين ومجتمعات محلية ممكّنة وتعبر عن أنماطهم الثقافية وأوجه تضامنهم.

* للتأمل:
الإطار 4-7: تقديم مساعدة إلى السكان المشردين واللاجئين من أجل التنمية المستدامة. (ص: 206).

الجزء الخامس… يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

أنا الأعزب ولا فخر
شارك 273
1403 منذ سنة واحدة
ثقافة
إنسيبشن Inception
شارك 2
منذ سنتين
أيهما على صواب؟
شارك 1
منذ سنتين
نعم ولكن...
شارك 8
منذ سنتين
s