أما الفصل الثامن فقد تطرق إلى التنوع الثقافي، وحقوق الإنسان، والحوكمة الديمقراطية:

فالتنوع الثقافي، على الرغم من أنه يصوَّر أحيانًا على أنه يمثل تحديًا للتماسك الاجتماعي، هو، على العكس، أداة تمكينيه للحوار، وللإثراء المتبادل، ومن ثم فهو مصدر للإبداع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والثقافي. والحوكمة الديمقراطية تفترض مسبقًا أشكالًا للحُكم، وطرائق لصنع القرار، تأخذ في الحسبان تكوين المجتمعات المعاصرة المتعددة الثقافات، وما تتسم به من تنُّوع واسع من حيث المعتقدات، والمشروعات، وأساليب الحياة. وبالترويج لشكل للحوكمة يكون أكثر شمولًا، تستطيع إدارة التنوع الثقافي أن تحوَّل تحديًا مجتمعيًّا إلى مصدر قوة للديمقراطية، وأن تساهم بذلك في إيجاد ثقافة حقوق الإنسان والسلام، التي تلتزم اليونسكو والأمم المتحدة بها.

ولذلك يؤكد هذا التقرير ويحاجج أن احترام التنوع الثقافي يساهم في كرامة كل فرد وجماعة ومجتمع محلي. والحقوق والحريات لا تُمارس في فراغ، بل هي مترسّخة داخل سياق اجتماعي. كما أن الحقوق والحريات لها جميعها بُعد ثقافي يساهم في ممارستها الفعلية. وهذا البُعد بالذات هو الذي يشكَّل الصلة بين الفرد والمجتمع المحلي والجماعة، تلك الصلة التي ترسَّخ قيَمًا عالمية داخل مجتمع بعينه.

وفي إطار التنوع وحقوق الإنسان المُعترف بها عالميًّا، يسلط الأضواء على التعارض الذي يُثار أحيانًا بطريقة ملتبسة بين التنوع الثقافي وإعلان حقوق الإنسان العالمية. وهذا التصور للتنوع الثقافي كعائق محتمل للعالمية ينبع من الدوائر السياسية والأكاديمية، التي ترى عادة التنوع الثقافي مرادفًا للنسبية، ومن ثم من الممكن أن يكون متعارضًا مع المبادئ العالمية.

بل على العكس من ذلك، يمكن في حقيقة الأمر للتنوع الثقافي وللحوار بين الثقافات أن يصبحا أداتين أساسيتين لتعزيز الترسيخ العالمي لحقوق الإنسان.

وهنا يأتي تسليط الضوء على الأبعاد الثقافية لحقوق الإنسان جميعها، ينبغي أن يُفهم على أنه يشجّع إحساس الجميع، على تنوعهم، بملكية هذه الحقوق؛ ويُفسح عدد الصكوك الدولية المتزايد المجال لإدماج التنوع الثقافي في الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان.

فعلى سبيل المثال، نجد أن مبدأي كرامة الإنسان، والحق في تقرير المصير ذاتهما اللذين يعارضان السيطرة الخارجية، يعارضان كذلك السيطرة الداخلية، ويدعوان إلى حوكمة ديمقراطية متسمة بالانفتاح والتطور. ومن هذا المنظور، يمكن تجسيد المعايير التي تحمي حقوق الإنسان السلبية وحرياته في سياق ثقافي من خلال الحوار والتواصل. ومن ثم، لا يبدو أن حقوق الإنسان تُفرض على حساب السلامة الثقافية، بل تُعلن بالأحرى من داخل الثقافات من أجل تلبية حاجة.

وبهذا المعنى، ينطوي التنوع الثقافي على إمكانية أن يصبح أداة مفيدة لتيسير التوافق ما بين مختلف التقاليد الثقافية، بإجراء نقاش داخل الثقافات وفيما بينها بشأن حقوق الإنسان، بحكم إنسانيتنا المشتركة، على الرغم من الاختلافات المحتملة المتعلقة بالسياق.

وفي الوقت نفسه، لا تعني ضمنًا بأي حال حقيقة أن المقصود بهذه الحقوق والحريات هو ممارستها في ظل طائفة واسعة التنوع من البيئات الثقافية إمكانية إضفاء النسبية على القواعد العالمية من حيث تطبيقها.

والدرس المستفاد، هو أنه يمكن تيسير تنفيذ أحكام القانون الدولي العالمية عن طريق الإشارة المناسبة إلى السياق الثقافي ذي المغزى الذي تضرب الحقوق الحريات بجذورها فيه، ويجري التمتع بها فيه، والاعتراف اللازم بالخصوصيات الثقافية.

وحيثما تنشأ تعارضات من هذا القبيل، وفّرت المبادرات المشتركة بين الثقافات، التي تشمل المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة، حلولًا وسطية عن طريق الوسائل التثقيفية، والترتيبات البديلة الرامية إلى الحفاظ على كرامة الإنسان.

فعلى سبيل المثال، تحققت أوجه تقدم فيما يتعلق بتشويه الأعضاء التناسلية للإناث في كينيا، ونيجيريا، وأوغندا، لا تُقيَّد حقوق الإنسان لكي تناسب ثقافة بعينها، ولا تفرض قيَما خارجية على ثقافة معيّنة.

وثمة مثال آخر لإيجاد حل لهذا التعارض يتعلق بمصر: فقد حقق تحالف بين الأجهزة الحكومية، وقضاة المحاكم المدنية، والجماعات النسائية، والمحامين، ورجال الدين المسلمين التقدميين، نصرًا كبيرًا لحقوق المرأة في سنة 2000، بإصدار قانون يمكَّن المرأة من الحصول على الطلاق بدون موافقة زوجها، وقد نجح هذا التحالف أساسًا لأنه أقام حجته في الإطار العام لحقوق الإنسان، مع تشديده أيضًا في الوقت نفسه على الجوانب التاريخية للإسلام – أي أمثلة من حياة النبي محمد– تمنح المرأة حقوقًا مساوية لحقوق الرجل. مع تزايد أهمية التنوع الثقافي في القانون الدولي تؤكده السوابق القانونية، ومنها الحقوق/ الجوانب الثقافية لحقوق الإنسان؛ إذ تطرح المناقشات القانونية مسألتين للجدل:

هل يمكن أن تتجاوز الحقوق الثقافية الحقوق المدنية والسياسية؟

وهل اعتماد «حقوق ثقافية»، بعد الاعتراف بها، يتطلب خطوة إضافية تتمثل في استيعاب الهويات والقيم المختلفة الخاصة بالأقليات؟

ومن المفهوم عمومًا أن هناك خمسة حقوق تشير تحديدًا إلى المسائل الثقافية، بالصيغة التي ترد بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وهذه الحقوق الخمسة هي: الحق في التعليم، والحق في المشاركة في الحياة الثقافي، والحق في التمتع بفوائد التقدم العلمي وبتطبيقاته، والحق في الإفادة من حماية المصالح المعنوية والمادية المنبثقة عن أي إنتاج علمي أو أدبي، أو فني يخرجه الإنسان، وحرية مباشرة البحث العلمي والنشاط الخلاق. في إطار الأبعاد الفردية والجماعية للحقوق الثقافية، يمكن أن يكون التنوع الثقافي بمثابة نقطة مرجعية في إعمال حقوق الإنسان، وذلك من أجل التمتع بالحقوق الثقافية، ومن أجل احترام جميع حقوق الإنسان، بالنظر إلى أبعادها الثقافية.

إذن يجب أن يتمثل بُعد أساسي من أبعاد سياسة التماسك الاجتماعي في توفير الوسائل اللازمة للأقليّات للتعبير عن نفسها، بالنظر إلى أن هذا يمكن أن يفضي إلى تحسين فهم وجهات نظرها في إطار الجماعات التي تمثل الأكثرية، وأن يساعدها على التغلب على ما تواجهه من تعصُّب، ومفاهيم مغلوطة، وتصوير نمطي.
وينبغي استنباط قواعد وتدابير تكفل إمكانية سماع أصوات الأقليات، ووجهات نظرها وإمكانية إجراء مناقشات مع أفراد الجماعات المعنية، من أجل إلقاء الضوء على المخاوف والقيم والمواقف، ومن أجل تبديد المفاهيم المغلوطة.

وهذا يمكن أن يشمل توفير مراكز أو وسائط ثقافية من أجل جماعات الأقليات، فضلًا عن تبسيط إجراءات إقامة جمعيات، أو الحصول على إعانات، بحيث تُوجد توازنًا بين مصالح المجتمع ككل، بدلًا من أن تخدم بنى محدودة يمكن أن تستحوذ على الثروة الاجتماعية لصالح ومصالح أقلية، ويجب أن تدير الفوارق الثقافية التي تتشكل منها هذه المجتمعات. وهذا ليس أمرًا جديدًا؛ فالتاريخ حافل بأمثلة لمجتمعات سعت إلى تحقيق التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي.

ومن الأدلة التي تبرهن على ذلك إقامة دول قومية في القرن التاسع عشر سعت أساسًا إلى الحفاظ على الوحدة، على الرغم من وجود التنوع.

ولا يمكن بناء التماسك الاجتماعي بالقفز فوق الفوارق؛ وذلك لأنها تظل موجودة حتى لا يكون هناك اعتراف بها في الحياة العامة، الأمر الذي قد يحملها على التعبير عن نفسها تعبيرًا عنيفًا بسبب الإحباط. ولا تؤدي هذه السياسات سوى إلى تفاقم الصدام بين الفوارق.

ولذا من الأهمية بمكان إيجاد أشكال جديدة من الحوكمة يكون الهدف منها هو زيادة مراعاة الفوارق وفقًا لأشكال جديدة للتضامن. وهذه ليست مسألة تشكيك في قدرة الطوائف على تزويد أفرادها بإطلالة مشتركة وبخدمات تلبي توقعاتهم، بقدر ما هي مسألة تهيئة الظروف لإقامة حوار متجدد بين الطوائف؛ كيلا تتقوقع هذه داخل نفسها، أو أن تصبح متشككة في الفوارق الثقافية.

وبالنظر إلى أن الولاءات الثقافية المتعددة تتعارض مع التقوقع داخل الذات، وردود الفعل المستندة إلى الهوية، أو ردود الفعل الثقافية، فإن المهمة تتمثل في حشد هذه الولاءات من أجل زيادة الانفتاح بين الطوائف بوصفه أحد التحديات الرئيسية للحوار بين الثقافات.

فالتمكين الذي ينجم عن ذلك من شأنه أن يُزيد من فرص التعاون الناجح، ويحمي جميع الأطراف المعنية من حدوث أوجه خلل في المستقبل، كما من شأنه أن يعزز احترام الذات لدى الأقليات والجماعات الثقافية، ويعزز النسيج الاجتماعي، ومن شأنه كذلك أن يساعد على إزالة الصور النمطية التي تصوّر أفراد تلك الأقليات والجماعات على أنهم «متلقو رعاية اجتماعية».

ويتمثل الهدف الشامل لهذه السياسات في تعزيز بيئة تمكينية لإحراز تقدم واقعي نحو الحوكمة الديمقراطية الحقيقية، أثبتت الديموقراطية القائمة على توافق الآراء أنها تمثل تقدمًا مهمًا في التفكير بشأن الديمقراطية في المجتمعات المنقسمة.

وقد أشار التقرير إلى خلاصة عامة مبينًا أن هناك حاجة ماسة إلى الاستثمار في التنوع الثقافي. وأن دمج التنوع الثقافي في طائفة واسعة من السياسات العامة -بما فيها السياسات التي لا تربطها صلة مباشرة بالحقل الثقافي المحض- من شأنه أن يساعد على تجديد نُهج المجتمع الدولي فيما يتعلق بهدفين هما: بناء السلام، ودرء النزاعات، مقدمًا العديد من التوصيات الموجهة للجهات المعنية من بين الدول والمنظمات الدولية الحكومية، والمنظمات غير الحكومية، والهيئات الإقليمية، والمؤسسات الوطنية، وهيئات القطاع الخاص.

لنجعل كوكبنا عظيمًا مجددًا.
*ماكرون

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

افكار, ثقافة, حوار
عرض التعليقات
s