في سلسلة فانتازيا، كان أحمد خالد توفيق يقول عن شخصية عبير أنها شخص غير جميل، أو قوي أو بارع أو ذكي، وأنها قرأـت كثيرًا، وبالرغم من ذلك هي غير مثقفة. لقد أصاب أحمد خالد توفيق؛ فهناك شخصيات تحاكي شخصية عبير في الواقع. كثر الحديث بين أوساط القراء عن ادعاء الثقافة وعن الفارق بين القارئ والمثقف. وكنت قد كتبت مقالًا بعنوان كيف تكون مثقفًا يمكنك الرجوع إليه؟

لماذا قارئ وليس مثقفًا

أريد أن أحدثكم اليوم عن شخص عرفته منذ سنوات. كان هذا الشاب يقرأ كثيرًا، ينفق جزء من دخله على الكتب، ولكن مشكلته أنه لن يصبح مثقفًا أبدًا مهما قرأ. فهذا الشخص غير راجح العقل وغير جاد في حياته، كنت دائمًا أراه يمضي وقته لمجرد التسلية. يمضي الساعات يشاهد اللقطات المضحكة والمقالب على موقع Youtube.com. ويقرأ كتب وسلاسل الرعب والروايات الحديثة أيضًا من أجل المتعة والتسلية. لم أره يومًا بصحبة كتاب ذو قيمة، أو رواية قوية، كنت أنصحه دومًا، ولكن لكل شخص ذوقه الخاص. لا تتعلق شخصيته أو اهتماماته بالثقافة من قريب أو من بعيد.

لماذا نقرأ؟

من القارئ ومن المثقف؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف أولًا لماذا نقرأ؟ المثقف أو من يحاول أن يصير مثقفًا يقرأ من أجل اكتساب المعرفة، لا يحصر نفسه في مجال واحد ضيق كالعلم الديني مثلًا، أو كالأدب. فأي مجال واحد لا يصنع مثقفًا بمفرده، ولا يقدم ثقافة تكفي الفرد. لذلك تجد أن المثقف يقرأ في كافة مجالات المعرفة. كما أن المثقف يقرأ الأدب القيم لتقوية لغته واكتساب معارف تاريخية واجتماعية يصيغها الأدباء بطريقة مختلفة عن الكتب الأخرى.

أما غير المثقف فهو يقرأ من أجل التسلية. قد تجده يقرأ الأدب الساخر أو الروايات المنتشرة حديثًا بحثًا عن قصص الحب أو بعض الرعب. لا بأس فالكثير من القراء بدأ بهذه الأعمال ثم نما عقله وتطور حسه النقدي وأصبح يفرق بين الغث والسمين في الأدب، لكن من يقرأ هذه الأعمال باستمرار بحثًا عن التسلية فقط ليس بمثقف أو في طريقة ليصبح مثقفًا. هذا الشخص مجرد قارئ، وهو يقرأ لمتعته الشخصية ولا يقرأ لاكتساب الثقافة. حقيقة لا أحب أن أطلق على غيري ألقابًا لذلك أحاول دومًا إسداء النصح للجميع.

التحول من قارئ إلى مثقف

لتتحول من قارئ إلى مثقف عليك أولًا الخروج من حيز الرواية الحديثة الضيق إلى عالم القراءة الواسع. بعض القراء يقع في خطأ كبير وهو تقويم هذه الروايات بطريقة مخالفة للعقل والمنطق، هناك من يقومها حسب الفائدة الدينية منها وكأنها كتاب دين وليست رواية، وهناك من يقومها حسب قصة الحب التي تقدمها متغاضيًا عن كل عناصر الرواية وهي لغة وأسلوب وحبكة وشخصيات ومضمون فكري. قد تكون رواية مثل هيبتا بها قصة حب مسلية لكنها بالتأكيد ساذجة وضعيفة أدبيًا وركيكة لغويًا لذا تساوي صفر أدبيًا وإن كانت مسلية. النوع الثالث من القراء يصنف الرواية حسب ما إذا كانت أرعبته أم لا. عشاق كتب الرعب أيضًا يتغاضون عن كل عناصر الرواية في مقابل الشعور اللذيذ بالخوف الذي تصدره الرواية لهم. حسنًا إذا كنت تريد فائدة دينية ارجع إلى كتب الدين، ولكن روايات دعاء عبد الرحمن ومثيلاتها لا تزيد عن كونها روايات ضعيفة وحبكتها مأخوذة من الأفلام الهندية، لا أصالة على الإطلاق في مثل هذه الروايات.

وإذا كنت تريد قراءة الروايات الرومانسية هناك كتاب متميزون يكتبون الروايات الرومانسية، ولكن مع الجودة الأدبية في رواياتهم مثل يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله عربيًا، وجين أوستن وسمرست موم ودي إتش لورانس وإيميلي برونتي غربيًا، وغيوم ميسو حاليًا. أما إذا كنت تحب الرعب فهناك كتاب رعب مبدعون ولرواياتهم أيضًا قيمة أدبية مثل ستيفن كينج وروبرت بلوخ وإدجار ألان بو. يجب أيضًا عدم التوقف عند قراءة الأدب والانطلاق إلى قراءة الكتب العلمية الدينية والدنيوية من أجل اكتساب المعرفة، وكتب الفكر والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع من أجل إثراء العقل بالأفكار ونضجه.

الثقافة ليست قراءة فحسب

يقال إن الثقافة هي أن تعرف شيئًا عن كل شيء، وأن تعرف كل شيء عن شيء. لتكون مثقفًا حقيقيًا عليك اكتساب الثقافة من عدة مصادر. بجانب الكتب هناك الأفلام الوثائقية في مختلف المجالات، شاهد الأفلام الوثائقية عن الطبيعة تزيد إيمانًا بقدرة الله سبحانه وتعالى وتتعلم عن الحياة والطبيعة من حولك. شاهد الأفلام الوثائقية العلمية لتلاحظ تطور العلم المستمر. شاهد الأفلام الوثائقية عن التاريخ والحضارات السابقة وثقافات العالم. هناك أيضًا عالم الإنترنت الواسع، الذي يشمل آلاف المواقع الثقافية التي تمدك بالمعلومات بمختلف أشكالها. لا يمكن أن تكون مثقفًا ولغتك ضعيفة مثلًا. عليك اقتناء كتب الإملاء والنحو وتعليم نفسك القراءة والكتابة الصحيحة. هذا سيساعدك في المستقبل إذا أردت أن تصير كاتبًا، أو إذا أردت تنمية حصيلة لغوية مما تقرأه. الفنون أيضًا ثقافة، هناك فنون راقية تسمو بالروح مثل الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا والباليه والفن التشكيلي. ليس كثير منا يفهم الفن التشكيلي لكن من اختصاص المثقف فهمه. هناك عدة مصادر للثقافة فعلينا أن نبحث عنها بأكثر من طريقة ومن عدة مصادر، اكتشف ذلك بنفسك عن طريق أسلوبك الخاص في اكتساب الثقافة.

شخصية المثقف

المثقف الحقيقي شخص راجح العقل يتسم بالنضج. يجب أن يكون للمثقف دور في محيطه، سواء كان هذا المحيط الأسرة، المدرسة، أو المجتمع ككل. على المثقف أن يكون مهمومًا بقضايا وطنه وهويته، ويبحث عن الحق والعدالة والمساواة والحرية، الدفاع عن المظلوم وليس الوقوف في صف الظالم. يمكنك أن تحاول مع أفراد أسرتك الذين لا يقرأون أن يبدأوا بالقراءة، مع ترشيح كتب مناسبة للمبتدئين لهم. يمكنك أن تحاول مع أطفال عائلتك من سن صغير، أن تجعلهم يحبون القراءة وأن تقرأ لهم ما يناسب أعمارهم. الأطفال هم مستقبل الأمة فعلينا إعدادهم بالتثقيف وحب القراءة؛ لأن هذا معاكس تمامًا لما يكتسبونه من أفكار بسبب المشاعر السلبية التي يشعرون بها تجاه المدرسة والكتب الدراسية. نحن مجتمع لا يقرأ أغلب أفراده، لذلك فهذه المحاولات تغير هذا الواقع السيء وتنشر القراءة بين الأطفال والكبار على حد سواء. كل شخص مثقف يفعل ما يناسبه ويناسب إمكاناته، اكتشف دورك كمثقف في محيطك.

ماذا قال أنطون تشيخوف عن المثقفين

لن أصف المثقف أفضل من مبدع القصة القصيرة الأول في العالم، الروسي أنطون تشيخوف. وقد ترجمت لكم ما قاله عن المثقفين:

ثمانية مميزات للأفراد المثقفين
أنطون تشيخوف يعبر عن كلمة مثقف في رسالة أرسلها إلى أخيه الأكبر نيكولاي، فنان تشكيلي. إنهم يحترمون شخصية الإنسان، ولذلك فإنهم دائمًا كرماء، لطفاء، مهذبون، ومستعدون للاستسلام للآخرين. لديهم تعاطف ليس فقط للمتسولين والقطط وحده. تتألم قلوبهم من أجل ما لا تراه العين. يحترمون ملكية الآخرين، ولذلك فإنهم يسددون ديونهم. إنهم مخلصون، ويرهبون الكذب مثل النار. هم لا يكذبون حتى في الأمور الصغيرة. إنهم لا يحطون من قدر أنفسهم لإثارة التعاطف. إنهم لا يلعبون على وتر قلوب الناس الآخرين لذلك فإنهم قد يتحسرون. ليس لديهم تفاهات سطحية. الموهوب الحقيقي دائمًا ما يبقى غامضًا بين الجمهور، يبتعد قدر الإمكان عن الدعاية. إذا كانت لديهم موهبة فإنهم يحترمونها. إنهم يضحون لبقائها، بالنساء، والخمر، والتفاهات. هم فخورون بموهبتهم … بجانب أنهم يصعب إرضاؤهم. إنهم ينمون الحس الجمالي بداخلهم. يحاولون الابتعاد قدر الإمكان لضبط النفس والارتقاء عن الغريزة الجنسية. إنهم يريدون التخصص، إذا كانوا فنانين، يريدون الجدة، والأناقة، والإنسانية … إلخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد