بعد عدة قراءات صرت أنقد الروايات وأستطيع أن أحلل أية رواية وفقًا إلى عناصرها الخمسة: اللغة والأسلوب والحبكة والشخصيات والمضمون الفكري.

أسعد أوقات حياتي قضيتها بالمكتبة العامة بشبين الكوم، كنت أذهب بعد انتهاء اليوم الدراسي بالجامعة وأبقى حتى المغرب. أدخل فأسجل اسمي في كشف الزوار، ثم أختار رفي المفضل وهو رف الأدب، بالرغم من الإهمال الذي كانت المكتبة تعانيه وأكوام الغبار واصفرار الورق، كنت أقف مبهورًا أمام الأرفف كطفل في دكان الحلوى. أمامي كل ما أتمناه من أدب، عربي قديم، وإنجليزي قديم وحديث، وفرنسي وإيطالي وغير ذلك. كنت شغوفًا بالأدب الإنجليزي الخاص بالقرن التاسع عشر، والسبب في هذا الشغف كان تشارلز ديكنز. قرأت له أيام عصيبة، ثم أوليفر تويست، ثم ديفيد كوبر فيلد ثم الآمال الكبرى، ثم رائعته قصة مدينتين، كلها بين قراءة في المكتبة وشراء الكتب وقراءتها في المنزل، بعضها بالعربية وبعضها الآخر بالإنجليزية. اتجهت قليلًا نحو الأدب الفرنسي، وقرأت عدة روايات لألكسندر دوما الأب والابن. أصبحت أنواع بين الأدب العربي والغربي، قرأت السقا مات ليوسف السباعي وبهرني الوصف فيها جدًا. كانت رواية مؤثرة، أتبعتها بعدة روايات لثروت أباظة وإحسان عبد القدوس وعبد الحميد جودة السحار.

حقيقًة عشقت القراءة منذ الصغر، لكن لم تتوفر لي الكتب إلا بداية من المرحلة الثانوية. كنت لا أترك كتابًا ألقاه في أي مكان في المنزل حتى أقرأه، بعض هذه الكتب كان ممزق الغلاف وبلا عنوان واضح، ولكني كنت أقرأه على كل حال. في المدرسة الثانوية أدركت تفاهة زملائي الذين يقضون كل وقتهم في اللعب والمزاح، انصرفت عنهم وأصبحت أقضي كل وقت الفسحة في المكتبة. وفرت لي مكتبة المدرسة في هذا الوقت، بالطبع لأنها في دولة عربية وليست في مصر، كتبًا متنوعة في مختلف المجالات. عندما وصلت إلى الجامعة تعرفت على سلاسل روايات مصرية للجيب، عشقت رجل المستحيل وأغرمت بفانتازيا وما وراء الطبيعة. كنت أقضي الليل كله أقرأ حتى أنهي الكتيب الذي بين يدي، أي وقت بدون كتاب أقرأه كان وقتًا مملًا. بعد أن تخرجت من الجامعة صرت أذهب إلى المكتبة العامة من الصباح وحتى العصر، أذهب إلى الرفوف وأحضر معي عدة كتب إلى الطاولة. أنقل عيني من كتاب إلى كتاب، وفي النهاية أذهب وأضع الكتب في مكانها وأمضي.

بعد ذلك أغلقت المكتبة العامة وجاءت السيدة الأولى لتفتتح صرحًا عظيمًا. بناء شاهق من خمسة أدوار عبارة عن مكتبة عامة جديدة. ويا للحسرة كان هذا البناء عبارة عن ديكور، كنت أذهب وأسأل الموظفين عن موعد فتحه فأخبرني الرجل أنه يفتح حينما تأتي رحلة من إحدى المدارس! صرت أذهب عدة أيام محاولًا دخوله لأجده مغلقًا على الدوام. في ذلك الوقت أصبت بحالة من السخط على المكتبة وعلى الموظفين وعلى الحكومة وعلى السيدة الأولى وزوجها سيادة البقرة الضاحكة الأبله، هذا ما كان يطلق عليه في ذلك الوقت.

بعد أن التحقت بالوظيفة بدأت تكوين مكتبتي الخاصة، في البداية كنت أنخدع بالروايات الناجحة الشهيرة مثل هيبتا وفي قلبي أنثى عبرية فكنت أشتريها على السمع، ولكن بعد امتعاضي من هاتين الروايتين بدأت بتكوين آرائي الأدبية وعدم شراء أو حتى قراءة رواية إلا إذا تأكدت من موهبة الكاتب. بعد عدة قراءات صرت أنقد الروايات وأستطيع أن أحلل أي رواية وفقًا إلى عناصرها الخمسة: اللغة والأسلوب والحبكة والشخصيات والمضمون الفكري. بعد فترة أقنعت نفسي أن الثقافة ليست روايات فقط، فصرت أبحث عن الكتب العلمية من كافة المجالات لتكون مكتبتي شاملة. وإلى يومنا هذا ظلت القراءة هي متعتي الخالصة التي لا يدانيها متعة أخرى، وخاصة قراءة الأدب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد