نعم أعزائي القراء إنه طلب ورجاء ونصيحة أن تجربوا هذا المخدر العجيب والمختلف وأن تحكموا بأنفسكم بعدها على جودته وسحره الخاص وأتمنى أن لا ينتابكم الخوف أو القلق فهذا المخدر مصرح به في كل دول العالم كما أنه قانوني مئة بالمئة ولعل أجمل ما فيه أنه لا يسبب أي ضرر بل بالعكس تمامًا فهو مخدر صحي ومفيد جدًا وتشجع عليه كل الشعوب والأمم.

واسمحوا لي أن أتمادى في تشويقي لكم وأخبركم ببعض تأثيرات هذا المخدر قبل أن تقوموا بتجربته حتى تكونوا على علم كامل به، فهذا المخدر سوف يأخذكم من عالمكم الحالي إلى عالم آخر أكثر جمالًا وسوف يمحو حدود الزمان والمكان وسيحلق بكم ويأخذكم إلى بلدان ومدن لم تزوروها قط وسيطلعكم على ثقافات وعادات لشعوب وأمم عديدة لم تسمعوا عنها من قبل، وستتعرفون على تاريخ ومسيرة وآراء شخصيات تاريخية ومعاصرة هامة وستشعرون بالسعادة والمتعة التي لا تعادلها أي متعة أو لذة، كما أنه سوف يزيد من أناقة فكركم ورقي ألفاظكم وكلماتكم وسوف تكتسبون بفضله نظرة ثاقبة للأمور وقدرة عالية على التحليل والتفكير واتخاذ القرارات الصائبة دائمًا، ولعل الغريب هو أنكم سوف تكتسبون أعمارًا وخبرات زيادة على أعماركم وخبراتكم الحالية بفضل هذا المخدر.

وحتى لا يذهب تفكيركم وظنكم بعيدًا ولربما تسيئون فهمي دعوني أخبركم بالاسم الشائع أو المتداول لهذا المخدر وهو (القراءة).

نعم أعزائي القراء إنها القراءة وما أدراكم ما القراءة إنها الفاتنة التي لم تخذل عشاقها أبدًا إنها القراءة التي قال عنها الكاتب والشاعر الأمريكي «إدغار ألان بو»: في اللحظات المظلمة أعود إلى الكتب لأجد الضوء.

نعم فهي النور الحقيقي وهي مفتاح العقل والعلم والفهم والمعرفة ألا يكفي أن أول كلمة نزلت على رسولنا الكريم هي «اقرأ».

فالقراءة هي سمة عظيمة لمن اكتسبها والكتب هي كنز عظيم لمن امتلكها والمواظبة عليهما ثروة عظيمة ليست للشخص نفسه فحسب بل للأمة بأكملها، فوجود قارئ ينبئ بوجود مثقف ووجود مثقف يبشر بنشأة كاتب ينضم إلى ركب الكتاب في هذه الأمة، فالكتابة هي وسيلة لتحقيق الغايات وقد تكون بادرة للتغيير الإيجابي في المجتمع وغيرها من أهداف الكتابة التي لا تستقيم إلا بكثرة القراءة، والقراءة أيضًا هي سلاح ذو حدين وكذلك الكتابة، فإما للخير أو للشر والفطن من تنبه لهذا الأمر وأحسن اختيار الكتب بما يعود عليه بالمنفعة.

ولا شك أن للقراءة بوصفها منتجة للمعرفة، عدة فوائد مادية، كما أن لها أيضًا فوائد معنوية. غير أننا غالبًا ما نركز على ما هو مادي ونغفل الكثير مما هو معنوي، مع العلم أن هناك عدة أبعاد معنوية جد مهمة في القراءة، كالبعد السيكولوجي؛ أو لنقل، التأثير الذي تحدثه القراءة في نفسية القارئ.

إن البلدان التي يعتبر الكتاب بالنسبة إليها بمثابة الماء والهواء؛ تنبهت إلى هذه المسألة منذ عقود، فصارت تدرس تأثيرات القراءة على نفسية القارئ، ودورها في بناء شخصيته، ومدى تدخلها في تهذيب مزاجه، وقدرتها على التخفيف عنه من الضغوطات اليومية. بل وأكثر من ذلك، فهناك أبحاث ودراسات تطرقت لهذا التأثير حسب جنس المادة المقروءة. سواء كانت شعرًا أو رواية أو ما إلى ذلك.

وقد اعتقد اليونان قديمًا، على أن في قراءة الأدب «علاجًا للنفس»، ذلك أنهم كانوا يضعون قرب مكتبة المنزل لوحة مكتوبًا عليها: (هذا المكان لعلاج النفس). ومع تطور العلم، ونشأة العلوم الإنسانية، بدأ الاهتمام بالجانب السيكولوجي للقراءة بشكل علمي وأكاديمي. فأصبحت القراءة وسيلةً يعتمدها المختصون في الصحة النفسية لمساعدة الأفراد على التخلص من بعض المشاكل النفسية؛ كالضغط والإحباط والأرق وغير ذلك من الأحاسيس السلبية.

وتعود بداية الاهتمام بهذا الجانب من القراءة، إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث كان الجنود الأمريكان يقضون وقتًا طويلًا في المطالعة، ولاحظوا أنها تساعدهم في التخلص من وطأة الضغوطات النفسية التي خلفتها الحرب في نفوسهم.

ولقد نحجت القراءة في تزويد الأفراد ببعض البدائل والحلول لمشاكلهم النفسية، وكذا تحفيزهم على مواجهة الواقع بشكل متفائل وشجاع فمثلًا، الطفل الذي فقد والديه أو أحدهما، قد تساعده قراءة قصة مماثلة لطفل آخر، على أن يتقبل الوضع ويتعامل معه من منظور إيجابي. كما أن القراءة قبل النوم قد تقوم بدور «المهدئ»؛ لقدرتها على توجيه انتباه الفرد صوب ما يقرؤه، بدلًا من التفكير فيما يؤرقه.

كذلك تقوم القراءة بصقل مهارات الطفل في النّقد والتفكير الإبداعي. فعندما يفتحُ الطفل كتابًا فإنّه يُبحر إلى عالم آخر من المواقف والأحداث. إذ تُعلّم القراءة الأطفال العديد من القيم والأخلاق الحميدة وتُعلمهم العديد من دروس الحياة. كما أنّ الأطفال يستمدّون صفات أخرى من أبطال القصص التي يقرؤونها كالشجاعة والثقة والإلهام.

أمّا على الصعيد الفكري، فتساعد القراءة الأطفال في بناء مخزونهم من المفردات والمعاني وتحسين مهاراتهم في قواعد اللغة، ممّا يساعدهم في التعبير عن أنفسهم بشكل أفضل سواء كان ذلك كتابيًا أو شفويًا.

أيضًا تعتبر القراءة مهارة متاحة لأي شخص بعكس كثير من المهارات الأخرى، لكنها صعبة في نفس الوقت لأنها تتطلب قدرة من صاحبها في السعي وراءها وطلبها والمداومة عليها لتكوين ثقافته الخاصة به طيلة حياته. والقراءة أيضًا حياة أخرى تمنح للإنسان، تُوسّع له آفاق المعرفة والثقافة، فتتوسّع مداركه في التعامل واتخاذ القرارات، فتجد المثقّف يُحب الناس سماع رأيه والأخذ به؛ لأنّه يعلم أكثر مما يعلم الكثيرون. كما تعتبر القراءة وسيلة، فنحن نقرأ لكي نتعلم، وهي من أقوى الأسباب لمعرفة الله سبحانه وتعالى وعبادته وطاعته وطاعة رسوله.

إنها من أقوى الأسباب لعمارة الأرض والوصول إلى العلوم المؤدية لذلك. إنها سبب لمعرفة أحوال الأمم الماضية والاستفادة منها. إنها سبب لاكتساب المهارات ومعرفة الصناعات النافعة. إنها سبب لمعرفة الإنسان لما ينفعه ولما يضره في هذه الحياة من العلوم. إنها سبب لاكتساب الأخلاق الحميدة والصفات العالية والسلوك المستقيم. إنه يحصل بسببها للإنسان الأجر العظيم والثواب الكبير لا سيما إذا كانت قراءته في كتاب الله أو في الكتب النافعة التي تدله على الخير وتنهاه عن الشر. إنها سبب لرفعة الإنسان في هذه الحياة وفي الآخرة لأنها من أسباب العلم والله يقول: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). كما أنها سبب للأنس والترويح عن النفس واستغلال وقت الفراغ بما ينفع.

وقد حرصت الأمم المتيقظة على نشر العلم وتسهيل أسبابه، وجعلت مفتاح ذلك كله من خلال تشجيع القراءة والعمل على نشرها بين جميع فئات المجتمع. والقراءة كانت ولا تزال من أهم وسائل نقل ثمرات العقل البشري وآدابه وفنونه ومنجزاته ومخترعاته، وهي الصفة التي تميز الشعوب المتقدمة التي تسعى دومًا للرقي والصدارة. وإذا تأملنا بعض مواقف السيرة النبوية نجد اهتمامًا كبيرًا جدًا بقضية القراءة، منها: موقف فداء الأسرى في بدر؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب من الأسير المشرك الذي يريد فداء نفسه من الأسر تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. وفي هذه الحادثة دلالة واضحة على أهمية القراءة والكتابة؛ لأنها احتياجات ضرورية لأي أمة تريد النهوض والتقدم. وإذا نظرنا إلى حال المسلمين أيام بدر وجدناهم في حاجة إلى الأموال وفي حاجة إلى الاحتفاظ بالأسرى للضغط على قريش، أو الاحتفاظ بهم لتبادل الأسرى إذا أُسِر مسلم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يفكر بما هو أهم من ذلك كله، وهو أن يعلم المسلمين القراءة. كانت هذه نقطة هامة في فكر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني أمة الإسلام بناءً متكاملًا، حتى إن الصحابي الذي يستطيع القراءة كان يُقدَّم على أصحابه، انظر إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه الذي قُدّم على كثير من الصحابة، وصار ملاصقًا للرسول صلى الله عليه وسلم بصفة شبه دائمة لأنه يُتقن القراءة والكتابة، فصار كاتبًا للوحي، وكاتبًا للرسائل، ومُترجمًا للسريانية والعبرية، وكان مبلغه من العمر ثلاثة عشر عامًا فقط.

لهذه المواقف – ولغيرها – غُرس حب القراءة في قلوب المسلمين، وكانت المكتبات الإسلامية في التاريخ الإسلامي من أعظم مكتبات العالم، بل أعظمها على الإطلاق ولقرون طويلة: مكتبات بغداد، وقرطبة، وإشبيلية، وغرناطة، والقاهرة، ودمشق، وطرابلس، والمدينة، والقدس. هذه هي قيمة القراءة في الميزان الإسلامي، وهذه هي قيمة القراءة في تاريخ المسلمين.

وفي نهاية مقالي أقر وأعترف باعتباري قارئًا عاشقًا للقراءة أننا نعاني صعوبة شديدة في إيجاد متسع من الوقت للقراءة لأسباب عدة، في مقدمتها تشتت أذهاننا وأعيننا ما بين صفحات الإنترنت ومقاطع اليوتيوب ووسائل الإعلام المتعددة ومشاغل الحياة اليومية، وارتفاع أسعار الكتب. لكن أتمنى أن لا نستسلم لهذه الأسباب وأن نحرص على القراءة كطقس دائم من طقوس حياتنا ولنجعل من القراءة وردًا يوميًا لنا، وأن ننتقِي الكتب التي تفتح لنا سُبل الحياة وتعرّفنا على قوانينها والتي تصف لنا قواعد المعاملات مع الناس، وكتبٌ لما نهواه ونتخصص به، فقد قيل إنّ الثقافة هي معرفة شيء عن كل شيء وكل شيء عن شيء، أي أنه يمكننا أن نقرأ خمسين بالمائة في مجال تخصصنا، والنصف الآخر في أي مجالات أخرى.

كما يجب أن نسأل من يقرؤون الكتب عن الكتب الجيّدة؛ فالكتب تمامًا كالطعام منها ما هو نافع ومنها ما هو ضار، منها ما هو مفيد جدًا وأساس الفائدة كالبروتين، ومنها ما هو أقل فائدة كالفيتامين مثلًا. فلننتقِ الكتب ونتمتع بالقراءة، ولنشارك أصدقاءنا بالكتب التي قرأناها ولشبكات التواصل الاجتماعي في ذلك باع كبير في الصفحات والمجموعات المخصّصة للقراءة، فلنصنع لأنفسنا عالمًا جديدًا، ولنبدأ بالقراءة ولنستمتع بها ولتأخذوا بنصيحتي ولتقرروا بالبدء في تجربة وإدمان هذا المخدر إن جاز التعبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد