نتعلم القراءة في طفولتنا، تصبح مهارة لفك طلاسم الكلمات التي يراها الأمي، نستخدمها في المدرسة، ومن ثم الجامعة، وتمر الأعوام ولا ندرك أن لدينا مهارة تحتاج منّا بالعناية والتطوير، في القانون العسكري يعاقب القائد الذي يرسل الجندي دون سلاح إلى الحرب، بينما لا يعاقب القانون التعليمي المعلم حينما يرسل تلميذه دون سلاح إلى الحياة، حيث إن سلاح التلميذ هو القراءة والكتابة والإلقاء.

سندردش عن القراءة أما الكتابة والالقاء فلها مقالها، فللقراءة تأثيرها على من يستخدمها بشكل دائم، فهي تعمل على تشكل الوعي وتوسع أدوات الإدراك وتفتح آفاق العقل، ويكون الأمر نسبيًا من قارئً لآخر، وذلك بناءً على القدرات العقلية، والطرق والعادات التي يستخدمها القارئ حينما يقرأ.

يقول علي عزت بيجوفيتش على القارئ أن يكون مثل النحلة تهضم ما تأكل لتنتج لنا العسل، وهو يقصد أن قراءة الكتب تحتاج إلى هضم، وأن يكون هناك مخرج من هذا الكتاب، أما الفيلسوف الإنجليزي جون لوك فقد تحدث في كتابه «مسلك الفهم» في فصل القراءة عن آلية القراءة الصحيحة نلخصها في خمس نقاط:

– أن تقرأ في كل شيء لا يعني أنك تفهم كل شيء، فالقراءة تزود الذهن بمواد المعرفة فقط، والتفكير هو الذي يجعل ما نقرؤه ملكًا خاصًا بنا.

– ليس كل ما هو موجود في الكتاب صحيحًا؛ إذ لا بد عن الدراسة والتمحيص لكل ما نقرأ.

– التفحص العميق لاكتشاف الحقيقة، فلا تسلم عقلك لكتاب.

– انتقاء الكتب المفيدة يقول جون لوك: «إن من يمضي بخطوات ثابتة راسخة في المسار الذي يشير إلى ما هو صحيح، سرعان ما يصل إلى الغاية من رحلته، وعلى نحو أسرع بكثير من ذلك الذي يجري وراء كل ما يلفاه في الطريق، بالرغم من أنه يعدو طوال النهار بأقصى ما لديه من سرعة».

– حينما تعتاد على التفكير فيما تقرأ سيعتاد ذهنك على الاستنتاج السريع وإعادة تدوير الأفكار.

ومن هذه النقاط الخمس يستطيع القارئ بناء ملكته النقدية الخاصة، واستغلال أمثل لمهارة القراءة؛ لأن البعض يقرأ دونما تفكر وتمعن، وإنما تمريرًا للصفحات، وفي هذا السياق يذكر الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في كتابه تاريخ القراءة «القراءة ليست عملية أوتوماتيكية لحصر النص، مقارنة بانتقال الصورة إلى الفيلم عند إجراء عملية التحميض الضوئي، بل إنها عملية استنساخ معقدة ومحيّرة ومذهلة تحدث بصورة متشابهة عند جميع الناس، لذا فإنّ القراءة عملية خلاّقة إبداعية تعّبر عن محاولة القارئ المنتظمة لإنشاء وتكوين معنى واحد أو أكثر ضمن أحكام اللغة وقواعدها»، فالقراءة سلاحٌ إبداعي إن أحسنت تطويره.

دائمًا ما يصنف القرّاء الكتب صنفين (كتاب جيد، كتاب رديء)، ماذا لو عكسنا الأمر (قراءة جيدة، قراءة رديئة) لاختلفت نظرتنا للكتب فبحسب نوع قراءتنا يكون التصنيف، كما أنه سيزيد اهتمامنا بتطوير مهارة القراءة وتحسينها، ولسوف نستخلص الفائدة من الكتب مهما كانت رديئة حقًا، ولن يقتصر فائدة مهارة القراءة الجيدة على الكتب فقط، وإنما سيتسع مجالها إلى قراءة المواقف والشخصيات والأحداث من حولنا، ومع مرور الوقت سندرك بأننا صنعنا فلتر في أدمغتنا من خلال مهارة القراءة.

وفي جانب آخر من وجه القراءة نجد أنه بعد امتلاك آلية القراءة الصحيحة وتحسينها يغيب عنّا غاية القراءة، ففي كتاب اللغة والتفسير والتواصل للدكتور مصطفى ناصف من إصدارات عالم المعرفة – وهو كتاب مهم أنصحُ به عشاق القراءة – حيث تحدث عن القراءة وضياع الهدف الحقيقي وراء القراءة فيقول: «لقد جعلنا الجدل حول الكتاب والنص صناعة ماهرة مغرية. وفي خضم هذه الصناعة ضاع قدر من الاهتمام الإنساني الحق، واختلط البحث عن الدراسة وقراءة الكتاب. إننا نتحدث عن الكتاب أحيانًا حديث من يريد أن يفسح لنفسه السبيل في الدنيا. إننا حتى الآن لا نعرف يقينًا كيف يمكن أن تكون القراءة أداة نمو وكمال، أداةَ كسبٍ للإخلاص والتواضع وحسن الإصغاء»، لقد وضع ناصف يده على جرح القُرّاء الخفي، حيث نقرأ عادةً للاستعراض والاستدعاء والنقد، نقرأ لحفظ المعلومة وإعادة طرحها، أي نحب أنفسنا لا القراءة وندعي الثقافة وقد تناسينا أًصل الكلمة.

لذا عند بداية قراءة أي كتاب علينا أن نتذكر هذا السؤال ما هو الهدف الحقيقي من قراءتنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد