هناك العديد من العوامل التي تدفع مجموعات بشرية للهجرة خارج حدود أوطانهم، على رأسها الهروب من الحروب، والاضطهاد السياسي والديني، والفقر، أو الطموح لتحقيق أحلام وأهداف في وطن آخر به مناخ يتناسب مع تحقيق هذه الأحلام، ولكن رغم أن كثيرين في أوطاننا العربية يرسمون صورة للمجتمع الغربي بوصفه الفردوس الذي يتمتع فيها كلُّ مَنْ نجح في عبور الجانب الجنوبي من الكرة الأرضية بحياة راغدة، حيث العدالة، والمساواة، والاحتفاء بإنجازات وطاقات الشباب دون تمييز، وخصوصًا المتعلمين أو مَنْ أتوا للغرب بغرض الدراسة، والحصول على تعليم ومستوى مهني أفضل، حيث الفرق الشاسع بين دول الشمال والجنوب في مستوى التعليم، ومساندة المهارات الإبداعية.

إلا أن رواية «حي نوليندورف» تُلقِي الضوء على العديد من التحديات التي تفرضها تجربة الهجرة على المهاجرين من المتعلمين للمجتمعات الغربية، والدور الذي قد تلعبه تلك التحديات في تقويض طاقات فئة من الشباب وإهدارها من خلال ما يطلق عليه «خصوصية الثقافة» المُضِيفة، وهي في الرواية الثقافة الألمانية، وقد صدرت رواية «حي نوليندورف» مؤخرًا عن دار نشر «الدليل» في برلين للروائي وأستاذ الفلسفة د.عبد الحكيم شباط. و قد صدر للكاتب عدةُ أعمال روائية منها: «حكايات شرقية من برلين» و«شارع بودين»، و«أيزات»

تقغ رواية «حي نوليندورف» في 164 صفحة ، وتدور أحداثها في «حي نوليندورف» في العاصمة الألمانية؛ حيث يقطن مجموعة من المهاجرين، والذين جاءوا من بقاع جغرافية مختلفة من أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا. ويُعَدُّ الرابط الأساسي بين شخصيات الرواية هو العنصرية التي يتعرض لها هؤلاء المهاجرون بخليفاتهم الثقافية وأعراقهم المختلفة من قبل فئة من المجتمع الألماني؛ إذ تصور الرواية معاناة المهاجرين للحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، وحتى بعد الحصول على درجات أكاديمية من جامعات ألمانية، فمعظم شخصيات الرواية قد اضطرت للقبول بالعمل في مهن بسيطة لسد حاجتهم المعيشية ، بعد أن فشلوا في الحصول على فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم. ويرى عدد من الشخصيات في الرواية أن صعوبة حصول المهاجرين على فرص عمل في جامعات وشركات ألمانية تتناسب مع مؤهلاتهم قد يرجع لانتشار ثقافة لا ترحب بالضرورة بإدماج المهاجرين بطاقاتهم المتنوعة في مجالات مختلفة وتناسبهم من جهة، والتعامل مع المهاجرين بوصفهم مجموعةً عاملة متجانسة دون تمييز لقدراتهم ومؤهلاتهم ومواهبهم من جهة أخرى. وبناءً عليه يتم الدفع بتلك القوة المهاجرة للعمل في مهام معينة تسد حاجة عجلة الاقتصاد في المجتمع الألماني، مثل العمل في المصانع والمطاعم مثلًا، مما يهدر تلك الطاقات الهائلة والمتنوعة للمهاجرين المتعلمين ويمتهن كرامتهم الإنسانية.

ينتقد الرواي هذا التوجه في كلماته التالية :«الإنسان ليس محركًا في سيارة (فولكس فاجن) أو (مرسيدس بينز)، يحتاج فقط للوقود، هناك ما هو أسمى من الخبز ، إنه الكرامة الإنسانية التي تجدد الطاقة الروحية في كيان الإنسان، فالشاعر يحتاج أن ينظم القصيدة، والمهندس يحتاج أن يصمم المخطط، والفنان إلى أن يرسم اللوحة، والأديب إلى أن يكتب الرواية، والرياضي إلى أن يحل المعادلات، والجيولوجي إلى أن يتحسس الصخور، والكيميائي إلى أن يحلل العناصر، والمعلم إلى أن يلقي الدرس، والفليسوف إلى أن يعيد النظر في المسلمات، فماذا يحدث عندما نحول هؤلاء جميعًا لسائقي عربات أجرة، أو لعمال نظافة، أو أجراء في المطاعم أو باعة في الحانات؟ إنه امتهان صارخ للكرامة الانسانية» .

ومن جهة أخرى، تصور الرواية معاناة بعض هؤلاء المهاجرين المتعلمين في الحصول على المواطنة الألمانية التي تمهد الطريق لتحقيق أهدافهم سواءً بتأسيس أسرة، أم البحث عن فرصة عمل أفضل في بلدٍ آخر من جهة أخرى؛ إذ تُصوِّر الرواية مشاعر العداء والعنصرية لدى فئة من الألمان تجاه الأعراق المهاجرة بثقافتهم الوافدة والمغايرة «لخصوصية» الثقافة الألمانية، و ترى أن الثقافات الوافدة تؤثر في الثقافة الألمانية بالسلب، ولذا يجب التخلُّص منهم، ودفعهم للعودة إلى أوطانهم التي جاءوا منها – كما ترى السيدة «ماريون» – السيدة «ماريون» موظفة في دائرة حكومية مختصة بمنح الإقامات والمواطنة الألمانية للمهاجرين، وتسكن كذلك في «حي نوليندورف» وتستغل سلطاتها الوظيفية ومعرفتها العالية بثغرات القانون؛ لعرقلة إقامة هؤلاء المهاجرين في ألمانيا.

ولكن الرواية تنتهي حين تفقد «ماريون» قواها العقلية في إثر اكتشافها أنها ليست ألمانية خالصة من أم ألمانية وأب ألماني ترك زوجته وابنته، ولم يَعُدْ كما كانت تعتقد.فـ«ماريون» ، كما أخبرتَها أمُّها في وصية تركتها لها قبل وفاتها، كانت نتيجة لعلاقة جنسية عابرة مع مجموعة من العمال الغجر المهاجرين، كانت قد التقت بهم وقت عملها في البغاء؛ لتوفير قوت يومها، فالأم نفسها قد تربت في ملجأ للأيتام، ولم يُعْرَف لها أهل، وبعد تجربة الملجأ المريرة لم تجد لها مأوى ولا عملًا سوى عملها هذا، ولكنها سعت بشتى الطرق أن توفر لابنتها حياةً مختلفة، فادخرت كل ما تملكه من أموال حتى تعلمها وتوفِّر لها حياة كريمة؛ آملةً أن تحقق ابنتها العدالة للمهمشين يومًا ما. ومن خلال هذه النهاية للسيدة «ماريون» يهدم الكاتب خرافة نقاء عرق ما. فالمجموعات البشرية عبر التاريخ كانت في حركة دائمة من الترحال لبلدان مجاورة أو حتى بعيدة جغرافيًّا. وتلك الحركة ينشأ عنها بالضرورة التعارف والتزواج بين الأعراق والأجناس المختلفة من شتى بقاع الأرض.

وبتعيين موظف آخر مكان السيدة «ماريون» يتم إعادة النظر في أوراق هؤلاء المهاجرين، ومنح مَنْ يستحق منهم الإقامة حقه، وربما هي إشارة من الكاتب أنه وبرغم مظاهر العنصرية التي قد تعرقل العدالة في المجتمع الألماني؛ فإنه لا يمكن الحديث عن نظام عنصري منظم وقائم، سواءً أكان ذلك على المستوى الحكومي أو الشعبي، فقد صوَّرت الرواية كذلك الشخصيات التي كانت تتعاطف وتساعد الأجانب مثل السيدة «شميت» التي قامت بتأجير غرفتها لشاب سوري، وحاولت مساعدته قدر المستطاع؛ لأنها تتفهم تلك الأوضاع التي دفعت به لتلك البلاد.

ولكن من جهة أخرى، وفي صدمة للقارئ تنتهي الرواية بعودة «تونجاي» وعائلته إلى تركيا حيث يعتقد أنهم ينتمون.

«تونجاي» شاب تركي يقيم في ألمانيا منذ ثلاثة عقود ومتزوج من «زبيدة»، وهي كذلك من أصول تركية، ولكنها وُلِدت ونشأت في ألمانيا، وله منها أبناء جميعهم وُلِدوا في ألمانيا، ولا يعرفون لهم وطنًا غيره.

أتى «تونجاي» إلى ألمانيا تاركًا خلفه عائلته، وكذلك إجازة في الهندسة لم يستطع الحصول عليها بعد القبض عليه واتهامه بموالاة الحكومة السابقة، عقب أحداث الانقلاب العسكري في الثمانينيات، يملك تونجاي مطعمًا للمأكولات التركية في البناية التي يسكن فيها، وتسكن فيها كذلك السيدة «ماريون» ، ولم يسلم تونجاي من مضايقات السيدة «ماريون» التي لا تكف عن اتهامهم بالإزعاج دون وجه حق، هذا بخلاف نظراتها العدائية لهم بوصفهم أجانب في المجتمع الألماني، وهو ما يفجر استياء التركي تونجاي أن يعد أجنبيًّا بعد العمل والإقامة، بل وتأسيس حياة أسرية وعلاقات اجتماعية لكل تلك الأعوام في المجتمع الألماني، فيقول:

«لو أنني أقمتُ كل هذا العمر بين الذئاب أو الخنازير لتعاملت معي على أنني واحد منها.. ثلاثون عامًا وما زلتُ عند هؤلاء غريًبا وضيفًا عليه حزم أمتعته والرحيل» .

وهو ما يدفعه «تونجاي» لقرار العودة إلى «وطنه» تركيا ومعه أسرته تركية الأجداد، ولكنها ألمانية المولد والثقافة واللغة. يأمل «تونجاي» أن يؤسس عملًا جديدًا في وطنه تركيا بتقاليده ومجده العريق، وتترك النهاية مفتوحة حول إمكانية تحقيق هذا الحلم في مجتمع يعتقد «تونجاي» أنه سيوفر له مناخًا اقتصاديًّ وثقافيًّا أفضل، رغم أن الرواي يحاول لفت الأنظار لهذه الفجوة بين تصور المهاجرين عن أمجاد الماضي وصورة الوطن الذي تركوه قبل عقود، وظلت عالقة في أذهانهم دون تغيير، من خلال وفاة العمة «رقية» والتي كانت آخر من عاصر الدولة العثمانية بتاريخها وتقاليدها وإرثها. من هنا يمكن القول إن الكاتب يشتبك في النقاش والجدل الدائر حوله في الدوائر الأكاديمية حول العولمة، والحديث عن هوية نقية من ناحية وكذلك الهجرة والاندماج الذي يعني مفهوم الوطن من جهة أخرى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجالية التركية في ألمانيا يعود أصل تواجدها للاتفاقيات التي تمَّت بين الحكومة الألمانية والتركية لاستقدام العمالة الشابة؛ للمساهمة في إطار إعادة الإعمار ودعم العجلة الاقتصادية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في ستينيات القرن الماضي. كانت الاتفاقية تقتضي إقامة العمال لفترة محددة «عامين» ، وعدم استقدام أسرهم في بادئ الأمر قبل أن تعدل تلك القوانين للسماح لهم بالإقامة واستقدام عائلاتهم لتصبح الجالية التركية الآن أكبر الجاليات في ألمانيا، ويصل تعداد الأتراك المقيمين في ألمانيا اليوم إلى مليون ونصف تركي ، بالإضافة إلى مليون ونصف تركي ، حصلوا علي الجنسية الألمانية وفقًا لآخر تعداد للمركز الأوربي في عام 2020. ولكن على ما يبدو ورغم القوانين التي تعد هؤلاء الأتراك مواطنين ألمان يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المواطن الألماني، فإنه على ما يبدو أن الوعي الشعبي الألماني السائد لا يزال له رأي آخر.

تقول الدكتورة مانويلا بوجادزيجيفا من معهد «الإثنولوجيا الأوروبية» في برلين لصحفية «الدويتشة فيله» تعليقًا على موجات الهجرة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خصوصًا، ورد فعل المجتمع الألماني عليها بأنه: «كان هناك دائمًا فهم واضح في ألمانيا بأن السكان المهاجرين يجب ألا يكونوا هنا على الإطلاق، وأن الهجرة ليست جزءًا أساسيًّا من المجتمع الألماني… رغم أن الهجرة هي حقيقة فعلية في المجتمع، وفكرة ذوبان المهاجرين في إطار تشكيل مجتمع متجانس تُعَدُّ فكرة سخيفة» .

وهو ما يأخذنا لمفهوم المواطنة وعلاقتها بالعرق في مقابل المواطنة التي تؤسس على أساس الأرض، فمع أن هناك العديد من المجتمعات تعتبر الفرد مواطنًا بمجرد ولادته في تلك البلد بغض النظر عن عرق عائلته مثل الولايات المتحدة، فإن ألمانيا مثلًا لها شروط مختلفة، فالطفل يصبح حسب القانون مواطنًا ألمانيًّا إذا وُلِد لأب وأم مهاجرين قضوا في البلد ثمانية أعوام على الأقل ويملك أحدهما إقامةً دائمة في ألمانيا، أما مَنْ أتى لألمانيا بعد سن البلوغ فهو يحتاج لإقامة ثماني سنوات على الأقل، بالإضافة لإتقان اللغة، والمعرفة بالنظام السياسي، وكذلك التمتع بالاكتفاء على المستوى المادي. وبعيدًا عن القانون؛ فالمواطنة والانتماء للمجتمع الألماني لها شروط تختلف حين نتحدث عنها على مستوى الوعي السائد في المجتمع خصوصًا بين الفئات المتقدمة في العمر.

ومع ذلك لم يَفُتِ الكاتب أن يشير إلى أن العنصرية هنا ليست استثناءً على المواطن الألماني ، ولكنها منتشرة في كل بقاع العالم، ومنها بلداننا العربية التي تتطاحن فيها المجموعات والفرق بسبب اختلاف العرق أو الطائفة الدينية أو حتى المناطقية، كما أنه لم يُغفِل السلوكيات السيئة التي يجلبها بعض المهاجرين معهم إلى المجتمع الألماني، وهو ما قد يُؤَثِّر بالسلب على صفات في هذا المجتمع، مثل: الدقة، والالتزام في العمل، والهدوء، واحترام الآخر، في مقابل صفات جيدة يمكن أن تُثري وتُغني الثقافة الألمانية، ومنها الدفء العائلي، وأهمية العلاقات الاجتماعية.

وعمومًا يبدو لي أن الرواية تحاول أن تتحدث عن أناس اتخذوا قرارًا لمستقبل يمكن وصفهم فيه «بالمواطن العالمي» مواطن متعدد الملامح والصفات والهويات منفتح قادر على عبور الحدود الجغرافية؛ لتغني الثقافة المُضِيفة وتغتني بها دون عنصرية لقومية أو إثنية.

اقتباسات من الرواية:

**«إياكِ أن تتركي نفسك للعادة، فأكبر عائق يحول بيننا وبين أحلامنا هو أن نعتاد ما لا نريد» .

**«هؤلاء الناس الذين يضحون على هذا النحو، بكل صمتٍ وتفانٍ، ومن غير مِنَّة لهم قلوب تسع قدر السماء والأرض حُبًّا واخلاصًا وعطفًا» .

**«للفقر رائحة نفَّاذة تجلب كل مصاص دماء ومنحرف، مما يجعل رزقه الاتجار بهؤلاء المُعدَمين واستغلالهم بشتَّى الطرق» .

**«لا أحد يملك تفسيرًا واضحًا عمَّا يجذب إنسانًا إلى آخر في هذا العالم، الانجذاب يحصل عادةً ثم نبحث له عن أسباب، وحين يفشل نبحث له كذلك عن أسباب… المهم أن نُريح ضمائرنا من التأنيب، بأن نُلقِي المسئولية على المسوغات أو الظروف» .

**«الكاتب في الرواية مثل إله في كتاب مقدس، سوى أن كلمة الله هي فعل، في حين أن فعل الراوي هو كلمة» .

**«هنا في بلاد البرد والجليد يكون للحزن إيقاع مختلف، فالبرد الشديد لا يجمد الأجساد فقط؛ بل كذلك في كثير من الأحيان يجمد الأرواح، والمشاعر أيضًا. وغالبًا لا يُتاح للحزن بأن يشغل حيزًا كبيرًا من الوقت، أو بأن يتعدى قلب صاحبه إلى غيره» .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد