«اخرج في موعد مع فتاة تحب القراءة»، «إن فتاة تقرأ لا تقع في الحب بسهولة فهي إنما تبحث عن نظيرها الروحي»، هذه الاقتباسات وأمثالها الكثير التي انتشرت مؤخرًا لتضخم هالة غير موجودة أصلًا بل لا يجب لها أن توجد أساسًا حول المرأة القارئة ولا حتى الرجل القارئ! حيث إن القراءة بذاتها لم تكن يومًا ترفًا أو درجة تميز يسعى لها العالمون بل هي حاجة ملحة وضرورة حتمية لمن أراد أن يحيا. أما بالعودة للخلفية الدينية الإسلامية فإن القراءة تكليف شرعي إذ كان مبتدأ هذا الدين اقرأ.

بطريقة ما كان يطيب لي ولفترة أن أعجب بنفسي كثيرًا حينما يصفني أحدهم بالقارئة أو حتى حينما أقوم بمراجعة قائمة الكتب التي قرأتها أو الاقتباسات التي دونتها من تلك الكتب بيني وبين نفسي. لكني اكتشفت مؤخرًا الفخ الذي يقع فيه الجميع بتضخيم فعل القراءة دون الاهتمام حتى بماهية المحتوى الذي تتم قراءته! إن القراءة ليست لأجل المتعة ولا لأجل التفاخر بالطبع بكم الكتب التي تم بلعها دون أن تهضم حتى!

القراءة فعل ارتقاء وثقب على جدار الزمن يمكننا من الرؤية والتقدم للأمام واكتشاف الحياة وعيشها بأكبر قدر من الفاعلية والإنتاجية. فهي مرحلة متقدمة من التأمل ولابد لها من ذهن صاف وعقل متدبر متفكر. القراءة ليست كوب القهوة وقطعة الشكولاتة السوداء التي ترافق الحدث كخلفية لا بد منها! وهي لا تحصر بظلم في كتب الروايات بمختلف أنواعها ومقاصدها التي أصبحت اليوم وحدها دون غيرها حديث القراء الشباب خصوصًا من يعتبرون أنفسهم (مثقفي الجيل)!

لا شك أن ضمنها المفيدة لكنها أبدًا لن تكون يومًا بذات الفائدة التي تحويها الكتب العلمية والفكرية ولا حتى مقاربة منها حيث إن الروايات مهما علت القيمة المعرفية التي تقدمها لا تتجاوز كونها مجرد وجهة نظر لكاتبها فيما لا تقدم الكتب العلمية سوى الحقيقة مجردة وتبحث سبل تطويرها وإثرائها. في هذا المقال لست أبدًا أقف مقارنة بين قراءة الكتب العلمية بشتى مجالاتها وقراءة الروايات ولكن ما أود التنبيه إليه أن قراءة كتب على شاكلة كافكا على الشاطئ وظل الريح ليست أبدًا مما يأتي أكله طيبًا.

كما أن لدينا في عالمنا العربي كمية إحباط كافية لإغراق أجيال بأسرها فلسنا أبدًا بحاجة إلى قصص جديدة تزيد طين خيباتنا بلة! وعن غث الكتب التي تنشر يوميًا فحدث ولا حرج، بينما تشبك خيوط العنكبوت شباكها على كتب الأبحاث والدراسات العلمية التي يعول عليها حقًا في الارتقاء بفكر هذه الأمة وعلو شأنها وتحريك عجلة إنتاجيتها مزيدًا إلى الأمام.

في شرح لطيف لمالك بن نبي لمفهومي البناء والتكديس في البناء الحضاري يرى أن الحضارة هي في حقيقتها منتجات مادية لها روحها وفكرها وأدواتها وأنظمتها، التي لا تباع ولا تعار لأنها تمثل الخصائص الذاتية للحضارة وللمجتمع الذي يبني تلك الحضارة. حيث يرى أن المجتمع الذي يستورد المنتجات مع فكرها وروحها يكون قد فقد هويته الحضارية وأصبح امتدادات للمجتمع الذي استورد منه منتجاته. أما المجتمع الذي يستورد المنتجات دون روحها وفكرها، فإنه يقوم بتكديس هياكل لا روح لها وتجميع من الأشياء التي لا فكر لها!

على قراءاتنا أن يرافقها بناء ما تم تجميعه واستقطابه من مختلف المشارب – التي يجب علينا أن نعنى جيدًا بمنابعها -وإحسان فهمها ومن ثم إعادة صياغتها وبلورتها وفق نسق فكري جديد لا تكديسه ورصفه عشوائيًا دون تحقيق أية فائدة مرجوة من كل تلك القراءات المستفيضة ولو استمرت أعمارًا ودهورًا.

خلاص القول في جميع ما ذكر هو أن علينا جميعًا إدراك البعد الحقيقي للقراءة واعتبارها غاية للوصول إلى المعرفة وتحقيق مبدأ الحضارة لا مجرد غاية نتوق إليها لملء وقت فراغ أو لتسلية خاطر متكدر أو لأخذ صورة مع غلاف الكتاب وكوب القهوة وقطعة الشكولاتة السوداء لنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي استعراضًا للمستوى الثقافي المتقدم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, كتب, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد