من يتخذ القراءة منهجًا وأسلوبًا حياتيًا، لابد أن يحدد موقفه منها، غاية كانت أم وسيلة. يراود خاطري العديد من الأسئلة في هذا الشأن. هل أقرأ من أجل التحول إلى مثقف في الوسط الاجتماعي؟ هل لأُعرف بين زملائي بأني أقرأ الكتب؟ هل من المعقول أن يكمن جوهر القراءة في لفت الأنظار لي عندما أقرأ كتاب في مكان عام بدلًا عن استخدام الهاتف، أم من أجل التقاط صورة للكتاب ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي؟ ربما يكون الدافع من وراء ذلك هو حب الظهور بمظهر المثقف الواعي المتحذلق، من لا تفوته فائتة.

العبرة في القراءة بالكيف لا بالكم، كيف أقرأ لا كم أقرأ، كيف قرأت هذه الصفحة لا كم صفحة قرأت، فقد أقرأ كل يوم كتاب ولا يشعرني أحدها بأي فرق، وربما أقرأ كتاب في شهر؛ لأجلس شهور أخرى دون قراءة، أفكر فقط فيما قرأت. وكل كتاب يُقرأ لا بد من استيعابه بالتدريج، ومن ثم هضمه فكرة تلو أخرى.

نلاحظ بين عامة المسلمين في المجتمع العربي أن قراءة القرآن الكريم لا تكون إلا طلبًا للأجر، أما المتدبرون فهم قلة، ولو كانو كثرة لما كان هذا حالنا. روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعثًا وهم ذوو عدد فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا، فقال: ما معك يا فلان؟ فقال معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم قال: اذهب فأنت أميرهم، فقال: رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة، إلا أني خشيت ألا أقوم بها.

يمتنع عن تعلم سورة البقرة خشية ألا يقوم بها، ونحن قرأنا القرآن وأسفارًا من الكتب وما زلنا (كمثل الحمار يحمل أسفارًا) فلا انتفعنا ولا نفعنا.

تغير العالم باقرأ، فأية بداية بدون اقرأ لا نهاية لها.

كما أن وجود الكاتب الفارغ أفرز لنا القارئ المُفرغ، هذا إذا افترضنا وجوده، لست بصدد تشكيل وتقسيم القراء، لكن لا بد من الإشارة إلى القارئ السطحي ذاك الذي يقرأ غاية لا وسيلة، هروبًا لا مواجهة.

فهل الكتابة الأدبية تساعد على التوعية؟ أم أنها لا تهدف إلى ذلك كالكتب المتخصصة؟ تساعد الكتابة الأدبية على إعادة ترميم الواقع؛ ليتلاءم مع أحلامنا؛ لذا مهما كان ما تقرأ، فلا تبخس من قيمته إن كان ذا بال، حتى الروايات والقصص لا تخلو من فائدة، فهي تجارب لا غنى عنها، لن أطيل في هذا، يكفي ما نقل عن كافكا بهذا الشأن، إننا نحتاج إلى الكتب التي تنزل علينا كالبليّة التي تؤلمنا كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر، وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس، مثل الانتحار، على الكتاب أن يكون كالفأس التي تهشم البحر المتجمد في داخلنا، هذا ما أظنه.

لكن تذكر حين تغدو قارئًا ممتلئًا أنك كنت خاويًا قبل خوض غمار هذه التجربة. إن كنت امتلأت حقًا فلا تحبس ما بداخلك فربما تموت ويفسد، تذكر أنه كان بإمكانك الامتلاء حتى تفيض، لكن حاذر بما تملأ نفسك، وهنا يبدو الفرق جوهريًا بين القراءة كغاية أو وسيلة.

فمتى نتخذ من القراءة وسيلة للنهوض، لا غاية للجمود، لأن التغيير لا يكون إلا بالقراءة والتغيير قد بدأ باقرأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ القراءة ألبرتو مانغويل
عرض التعليقات
تحميل المزيد