لا شك في أن القراءة عماد المعرفة البشرية، وذلك بحكم أنها الوسيلة الأقدم لنقل المعلومة وتلقيها، فما يعيشه الإنسان اليوم من تطور على جميع الأصعدة، كان وما يزال السبب الأول له بعد توفيق الله القراءة، ناهيك عن فوائدها الجمة على العقل ونموه وصحته، وكيف أنها تُوسع مدارك الخيال، وترفع مستوى الوعي، وتُمنهج المعلومات والأفكار والتصورات، وتضبط مهارات التفكير، وتملأ المخزون اللغوي، مما ينتج عن ذلك كله اكتساب مهارة الكتابة، والقدرة على التعبير والبيان.

وللقراءة وتطورها تاريخ طويل لا يسع المقال لذكره، وبحكم هذا التطور المستمر، وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها بمثابة الفن الذي له أسس وقواعد، فالعلم البشري اليوم اتسع وتشعب، وأصبح يتضاعف كل ثمانية شهور، كما أن عدد الكتب المطبوعة في العصر الحديث -حسب إحصائية لشركة جوجل- بلغ 130 مليون كتاب فريد، أي من غير احتساب عدد الطبعات المتعددة للكتاب الواحد، ولكي يتضح لك حجم الاختلاف الكبير بين عصرنا الحالي والعصور القديمة، إليك هذه الإحصائية:

أحصي عدد الكتب المتداولة في كافة المجالات في عصر الإمام «شيخ الإسلام بن تيمية»، وكانت لا تتجاوز المائتي كتاب، مما كان يسمح بوجود العالِم الموسوعي، أي الشخص المتمكن من كافة العلوم والمعارف البشرية؛ بينما اليوم لن يكفيك عمرك وأعمار أبنائك وأحفادك لقراءة 1% من الإنتاج البشري، ناهيك عن استحالة أن تكون موسوعيًّا!

ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة من القراءة، كان لا بد من وضع أسس وقواعد لتنظيمها، وأن تكون وفق منهجية واضحة تراعي البناء الثقافي بجانب العلم التخصصي، وهذه القواعد هي:

1 – التخصص

لا بد قبل كل شيء أن تختار تخصصًا تنذر له حياتك، فمن أصول القراءة المنهجية أن تكون لك خطة حياة واضحة للبناء الثقافي والعلمي، وذلك بأن تكون متمكنًا من تخصص معين تكرس له 50% من قراءاتك ووقتك، فالقراءة العشوائية وغير المتخصصة تجعلك ضعيفًا ومتشتتًا وغير مؤثر، والتخصص يجب أن يكون في مجال يناسب رغباتك وقدراتك، وإن كنت محتارًا في فهم نفسك وكيفية اختيار التخصص الملائم وما تزال في بداية الطريق، جرب أن تقرأ في النصف الأول من العام في أكثر من مجال، حتى تكتشف ما يجذبك، وليس من الضروري أن يكون مجال حياتك هو تخصصك في الجامعة، لأن ما نسبته 80% من خريجي الجامعات الأمريكية يعملون في غير تخصصاتهم، وهذه الإحصائية بالتأكيد ليست ببعيدة عن عالمنا العربي.

2- توزيع القراءة

والوصفة المثلى في توزيع القراءة تعلمتها من الدكتور طارق السويدان، وقد طبقتها شخصيًا منذ عامين ونصف بعد بدايات متشتتة وغير منظمة، وهي أن تُمنهج قراءاتك وتقسمها بطريقة 50%- 40%- 10%، فلو افترضنا أنك ستقرأ 10 كتب، يجب أن تكون مُقسمة على النحو التالي:

خمسة كتب في مجال تخصصك.

أربعة كتب في مجالات متنوعة.

كتاب واحد في مجال هوايتك.

على سبيل المثال: شخص تخصصه إعلام، وفي الوقت نفسه يهوى الأدب، بالتالي يجب أن يخصص ما مقداره 50% من قراءاته في الإعلام، وما مقدراه 10% في الأدب، بينما الـ40% الأخرى في مجالات العلوم الإنسانية، كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة.. إلخ.

وبالنسبة للعلوم الإنسانية، عليك أن تبدأ بقراءة كتب المداخل، والتي تعطيك مسحة شاملة عن كل علم وتاريخه ورواده ونظرياته وفلسفاته وتأثيراته، فلا يصح مثلًا أن تقرأ كتابًا في علم السياسة المقارن، وأنت لم تقرأ أو تفهم أسس علم السياسة، فالعلم أشبه بسلم لا يمكن تجاوزه إلا بصعوده درجة بعد درجة.

3- حجم القراءة

يختلف حجم قراءة العالِم المتخصص عن حجم قراءة المثقف، فالمثقف عادة ما تتراوح قراءاته الشهرية من كتاب إلى اثنين أو أكثر، بينما العالِم المتخصص تتراوح قراءاته الشهرية من سبعة إلى 10 كتب أو أكثر، وهذه تعد بمثابة الحدود الدنيا لحجم القراءة بحسب المعايير الغربية، لذلك عليك أن تكون مدركًا لهذه المسألة، وأن تصنف نفسك وفقًا لأهدافك وقدراتك الذهنية والإنتاجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد