لعلّ أكثر الأمور الراسخة عند النظر في سير العُظماء الذين صنعوا ثورة في مُجتمعاتهم هي أنّ القراءة كانت جُزءًا لا يتجزأ من يومهم على اختلاف مجالاتهم. فما بين السياسيين المحنكين، عُلماء الفيزياء والطب، الفلاسفة والمفكرون، صُناع التكنولوجيا وقادة الثورة المعلوماتية والتقنية، والكُتاب بالطبع، جميعهم اكتسبوا عادة الجلوس منفردين مع كُتبهم، وكان للقراءة أثر واضح فيما قدموه للبشرية بعدها.

وعلى الرغم من إيمان الجميع بأهمية القراءة، إلا أنّ ذلك الروتين الصحي يندثر ويموت موتًا بطيئًا، ولم يحافظ على هذه العادة إلا القليل من الأشخاص ناهيك عن محتواهم المقروء الذي يُصغّر بدوره نسبة القراء الحقيقيين منهم.

وهنا يطرح سؤالنا نفسه بشكل ملحّ، هل القراءة حقًا ضرورة إنسانية أم كمالية يُمكن الاستغناء عنها؟ وهل تعدد المقالات والمحاضرات العامة التي ناقشت موضوع القراءة وتناوشت بين تعريفها على أنها فرض سماوي بدأ به القرآن الكريم وكانت أول كلمات الذكر، وبين ما آلت إليه بكونها موضة المحتكرين المثقفين كانت غير كافية لحل مشكلة العزوف عن القراءة؟ وهل تدني معدل قراءة الفرد العربي للكتب الذي وصل إلى ست دقائق سنويًا مقارنة بنظيره الأوروبي الذي يبلغ نحو 200 ساعة حسب إحصائيات مؤسسة الفكر العربي يُعد رقمًا طبيعيًا، وليس مؤشرًا لمشكلة مجتمعية خطيرة تحتاج إلى حلّ؟

للإجابة على هذه التساؤلات لا بُد عن العودة إلى أساس المشكلة، والذي يكمن في تصدير القراءة إلى جيل حديث يسعى لإشباع اللذة الفورية في عالم متسارع بشكل جنوني. جيل يُمتّعه مشاهدة مقطع فيديو قصير أكثر من قراءة مئات الكتب. لذلك لا بد عن تصدير صورة القراءة الحقيقة بطريقة عصرية على أنها استثمار طويل الأمد يزرع الآن ويحصد لاحقًا. ولا بُدّ أيضًا عن دحض فكرة أن القراءة ممتعة على الأقل في المراحل الأولى من صناعة القُراء عبر محتوى دسم يثري العقول. وتصدير صورة القراءة الممتعة ستجعل القارئ المبتدئ يُصدم بالواقع ويملّ بسرعة. لذلك فإن مبدأ القراءة كاستثمار ينطلق منها القراء الراغبون في استثمار أنفسهم يُمهد الطريق للمزيد من القراءة والوصول إلى المتعة بعدها.

وتاليًا مجموعة من النقاط الموجزة تُلخص لماذا تعتبر القراءة ضرورة وحاجة إنسانية مُلحة وليست إحدى الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها؟

  • محدوديّة المصادر. فكما أن وقت الإنسان ودائرة معارفه البشرية محدودة، فإن مصادر المعرفة لديه تصبح محدودة في مرحلة ما ويعجز عن توسيع رقعة هذه المصادر وتنويعها. وهُنا تأتي القراءة بوصفها أعظم الطرق لأخذ خلاصة أفكار الآخرين مُقدمة على طبق من ذهب، فالكاتب يصبّ كل ما في جعبته في كتبه وما عليك إلا أن تُعطيها كُلك لتعطيك بعضها.

  • الكتب مقياس عظيم للنضج خاصة عند قرائتها للمرة الثانية والثالثة. الكتب لا تُغيّر سطورها، أنت من يتغير فهمك لها بمرور الزمن لذلك فإن الكتب تعطيك فرصة لتقييم نفسك عند الرجوع إليها.

  • الكتب مشاحة شك صحية وآمنة تُعطيك الفرصة لجمع الفكرة بنقيضها. ومنطلق جيد للشك القائد للمعرفة. وهذا الفرق بين الكتب والأفلام والمحتوى المرئي الذي يتلاعب بالصورة، الصوت وموسيقى الخلفية، صناعة التعاطف، دسّ الرسائل الخفية، وغيرها من خبايا الإعلام والمحتوى المُصور، هذا لا يحدث في الكتب أو يحدث بدرجة أقل لنكون أكثر دقة.

  • الكتب تربي النفس على الصبر. واتفاقنا المُسبق على أكذوبة القراءة الممتعة ستسهل المضي قدمًا في تربية النفس على الصبر. المراحل الأولى من القراءة هي تحد ذهني للتركيز والفهم والقراءة، ثم إعادة القراءة، ثم الضياع بين دفتي الكتاب ورميه، والعودة إليه. ثم تقودك للاقتداء بالكاتب فتجد من يعارضه، ويكتب في الاتجاه المضاد، فتجد نفسك منساقًا لتقرأ للضد لتبدأ تتأثر به عوضًا عن الكاتب الأصلي. وبين هذا وذات يبدأ يتشكل فكرك الخاص ففي نهاية الأمر أنت تفرّ من التأثر بأحدهم عن طريق التأثر بغيره.
    هذا المزيج يُنضِج عقلك ويُعملك عدم الانحياز، وأكاد أجزم أن أعظم ميزة يمكن أن تمنحها إياك القراءة هي أنها تربيك على الصبر، إذ إن مستوى التسرع والعجلة والسعى إلى النتائج الفورية قد طغى، فتجد من لا يريد القراءة ولا متابعة الوثائقيات ولا الجلوس في مجالس العلم ولا يشاهد المحتوى القيّم إن تجاوز الدقائق، ولكنه يريد التطور، وكأنه يود أن تصبح المعرفة كبسولات تؤخذ من الفم أو حُقنا في العضل. مثل هؤلاء لن تثري الكتب حصيلتهم المعرفية فقط، بل ستربيهم من جديد.

  • التحرر من التكنولوجيا وتحفيز الخيال. المحتوى المرئي يقتل الإبداع ويُضيق آفاق العقل ويحدّه بما يراه وحسب. جرّب أن تقرأ رواية ثم شاهد الفيلم المصور لها إن وُجد وستشعر بالفرق، واعكس العملية في رواية أخرى فشاهد فيلمها أولًا ثم اقرأها، وشتّان ما بينهما.

لن نُسهب في الحديث، فلا تكفي النقاط لتلخيص إجابة سؤال لمَ نقرأ، وقد نسهب في الحديث عن أهمية القراءة لنكتب كُتبًا كاملة. ولكن عليك أن تقرأ لكي لا تموت قبل أن تموت، لتكون فُضوليًا، لكي لا تقف في مكانك والعالم يهرول إلى الأمام وتجد نفسك في لحظة مُتأخرًا عن الجميع متروكًا في الخلف. عليك أن تقرأ لتتطور، لتكون رقمًا صعبًا حيثما كنت. عليك أن تقرأ لأن حياة واحدة لا تكفيك ولن تجد حياة أخرى إلا في الكتب. عليك أن تقرأ لتستأنس بوحدتك، لتتحرر من التكنولوجيا وتتحكم بها بدل أن تتحكم بك، لتكون مُلكَ نفسك، عليك أن تقرأ ليفيض فمك بما هو مفيد حين تتحدث عوضًا أن تهرف بما لا تعرف، وليُصبح فعلًا خير جليس في زمانك كتاب.

لكل هذا وأكثر عليك أن تقرأ .. فاقرأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد