تحتل القراءة أهمية كبيرة في حياتنا وحياة الأمم؛ فالقراءة هي أول وسيله للتعلم، والانفتاح على الآخر، وهي أول وسيلة لرقي الأمم الأخلاقي والثقافي والحضاري على مدار التاريخ.

يقاس تحضر الشعوب وثقافتها بعدد الكتب التي تقرأها أفرادها وفي آخر دراسة خلصت إليها اليونسكو أن نصيب كل مليون عربي لا يتجاوز ثلاثين كتابًا، مقابل 854 كتاب لكل مليون أوروبي، أي أن معدل قراءة الشخص العربي ربع صفحة في السنة مقابل معدل قراءة كبير للفرد الأمريكي بلغ إلى 11 كتابًا في العام الواحد، وهذا يعكس ما وصلت إليه الثقافة العربية من ترضي واضمحلال وهذه المؤشرات عار على أمة اقرأ التي شيدت في يوم من الأيام في بغداد وحدها أكثر من مائة دار كتاب في عام 891م.

وانطلاقًا من أهمية القراءة الكبيره خصوصًا في ظل هذا العصر الذي يشهد ثورة حقيقيه في توافر المعلومات والاطلاع على ثقافة الاخر التي لم تتوفر للأمم السابقة للتسلح بالمعارف والعلوم والخروج من حالة الضعف والهوان التي تمر بها أمتنا هنا قد تجاوز مفهوم الأميه ليشمل أيضًا من لا يقرأ فبالقراءة يتفتح العقل ويزدهر.

والقراءة هي عملية تغيير قناعات وإحلال قناعات أخرى أقرب إلى الحقيقة فكلما قرأت اقتربت، وكلما توقفت ابتعدت.

أنت تقرأ وأنا أقرأ وهو يقرأ وكل منا يخرج بفهم مغاير عن الآخر، وكل منا يتفاعل مع النص بشكل مختلف، وحتى على المستوى الشخصي إذا قمت بقرأة ما قد قرأته من قبل بعد مرور الوقت ستفهمه بشكل مختلف عن فهمك السابق له، وحتى أن الحاله النفسيه للقارئ قد تؤثر بإحساسه وتفاعله مع النص واستيعابه فعندما نقرأ القرآن ونحن في حالة ما يغشاك فيها هم ما تجد نفسك تتوقف عند معاني، واّيات دون غيرها وتجدها وقد لمست وترًا ووطئت جرحًا ما في قلبك فتتفاعل بها بشكل كبير وربما قد تكون بالفعل قد قرأت هذا النص عشرات المرات، ولم تتفاعل معه بهذه الطريقه وينطبق أيضًا هذا المثال على النصوص الأخرى.

وقد أحسست أنه من الأهمية بمكان محاولة فهم عملية القراءة فهما علميا وكيف نقرأ ونفهم النص محل القراءة وبالبحث والتنقيب وجد أن علم نفس اللسانيات اهتم بهذه العملية وهناك العديد من علماء نفس اللسانيات قد تصدوا لتحليل هذه العملية، وقد وضعوا بعض النظريات والفرضيات التي تتحدث عن عملية القراءة وكيفية التفاعل معها.

فمن الرمز إلى الحرف، ومن الحرف إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الجملة إلى النص إلى المعنى، ومن النص إلى العقل، أو من العقل إلى النص أو المقاربة بينهما، يضع علماء النفس فرضياتهم الثلاث الأشهر. وقد نقلت هذه الفرضيات الثلاث من محاضرة عن القراءة للدكتور منير وانعيمي، جامعة نورث ويسترن الدوحة، في دراستي للخيارات اللسانية لمحترفي الإعلام.

الفرضيه الأولى من النص إلى العقل (التصاعدية)، وهذه المقاربة تعتمد بشكل كبير على النص، مهملة للخلفية الثقافية التي يتمتع بها القارئ، القراءة في مقاله: لحظة قراءة، عام 1972، بأنها عمليه ذهنية متتالية، يبدأ القارئ Gough يصف بترجمة الرموز المكتوبة إلى أصوات لغوية، ثم يقوم بتجميع هذه الوحدات الصوتية لاستخراج كلمات متفرقة، ثم يقوم القارئ بتجميع الكلمات ليستخلص المعنى المراد من النص.

الفرضية الثانية من العقل إلى النص (التنازلية) وقد اعتمد العالم Kenneth Goodman عام 1965 في مقاله الشهير أن القراءة عملية تخمين لسانية نفسية، وهو من أشهر المنظرين لهذه الفرضية الذي اعتمد فيها على معالجة القراءة، على كونها عملية بناء للمعنى انطلاقًا من خلفية القارئ، وليست على كونها عملية معالجة متتالية للمعطيات المكتوبة.

وقد استنتج جودمان أن القراء المتمرسين لا يركزون بشكل كبير على المعطيات المكتوبة، وأن المعنى يتغير بتغير القارئ وخلفيته، وقد خلص أن القراءة تتم في ذهن القارئ عبر عملية تخمين واستنتاج مستمرة، وقد يصيب القارئ في الفهم، وقد يخطئ على أساس خلفيته الثقافية والمعرفية، وتنظر هذه المقاربة إلى النص على أساس أنه محفز فقط، وأن المعنى لا يوجد في النص، وإنما يوجد في ذهن القارئ.

الفرضية الثالثة وهي المقاربة التفاعلية، وهي تعمل على التوفيق بين المقاربتين السابقتين، وتعتبر هذه المقاربة أن عملية القراءة لا يمكن أن تتم بمعزل عن النص، كما أنها لا تنجح بدون الاعتماد على الزاد المعرفي للقارئ. يقول إيميرالد ديشان 1991 بأن عملية القراءة تتم بالاستخدام الانتقائي لكل مصادر المعلومات المتاحة بدون ترتيب مسبق، وتتنوع المصادر بين المعطيات المكتوبة وخلفيات القراء. ويقول ديفيد روملهارت 1985 بأن القراءة هي عملية تفاعلية تختفي من خلالها الحدود بين النص وخلفية القارئ، وتتفاعل كل المعطيات المتوفرة بطريقة معقدة.

إذًا فإن هناك الكثير من التفاعلات والتداخلات لفهم النص واستيعابه، وأنا في الحقيقة مع المقاربة التفاعلية التي تهتم بخلفية القارئ الثقافية والمعرفية، وأيضًا تهتم بالنص ومدى وضوحه ودلالته، وأضيف إليها الحاله النفسية كما ذكرت آنفًا، والدافع على عملية القراءة، فعلى سبيل المثال قراءة الطالب تختلف بشكل كبير عن قراءة الباحث، فالأول يقرأ ويحصل لكي يحصل الدرجات، أما الثاني فيقرأ للفهم وللتعلم وللبحث عن إجابات وحلول حول قضيه ما.

وأختم مقالي بشعر للمتنبي مادحًا فيه الكتاب: 

أعز مكان في الدنا سرج سابح … وخير جليس في الأنام كتاب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد