محمد الشبراوي 44
محمد الشبراوي 44

يربط الكثيرون بين القراءة والقهوة، ربما لاتفاقهما في حرف القاف بعد (ال) التعريفية، وانتهائهما بالتاء المربوطة ربطًا محكمًا! وفي عصر الصورة وثورة التكنولوجيا، يخرج شاب يحمل أسفارًا، وينتقي «كوفي شوب آخر شياكة»؛ ليتفنن في أخذ صورة سيلفي وهو يحتسي قهوته اللذيذة، وينشر الصورة على مواقع التواصل مصحوبة بتعليق منمق: (يومي بين القراءة والقهوة.. لا حياة بلا قراءة، ولا قراءة بلا قهوة)! وهذه فتاة لا يغمض لها جفن إلا إذا أخذت لنفسها أو أخِذت لها صورة مع فنجان أو «شوب» القهوة المنعش، وبجواره يرقد كتاب مسكين، وبرومانسية حالمة تكتب: (ومن متع الدنيا على المرء أن يُري وحيدًا إلا من قهوةٍ وكتاب).

الغريب أن الكتاب لو نطق بين يديهما لصرخ باكيًا وهو يسترحمهما: لماذا ربطتم بيني وبين القهوة؟ أكل هذا لأني أحضر في الصور ليس إلا؟! أم أنكم ربطتم مستقبلي بالقهوة كمن ربطوا (خيار وفقوس)، ومن جمعوا بين (زفتى وميت غمر) ومن ألفوا بين (الطيبة وأم رماد)، وغيرهم فعل الشيء ذاته مع (شيبة والنكارية)! ويكفكف الكتاب دمعه ويضيف: أنا لا أوافق على هذه الصحبة، ولا أقول ذلك كراهية في القهوة؛ فهي أخت الوقت، ولا تشرب على عجل، ولا يشترط أن تُشرب في ضيافة كتاب.

وأجال الكتاب طرفه بين الشباب في المقهي الأدبي، ثم قال في نفسه: كثيرون من يُقحمونني في جلساتهم، وليتهم يقحموني بينهم للنقاش وإثراء الحوار، لكنهم يحرصون على وجودي ليتصوروا وينشروا صورهم؛ فيصبحوا مثقفين بلا ثقافة أو متثاقفين. يقحمونني بينهم بصورة أكثر بشاعة من إقحامهم (هكذا) في أحاديثهم؛ فيقول أحدهم: هكذا أمور، وهكذا مناقشات، وهكذا اختراعات في اللغة إلى آخر هكذا! حبذا لو فتحوا صفحاتي وقلبوا فيها، وما أجمل أن يتناقلوا أفكاري ولا يتثاقلوها، وأن يهتموا بالثقافة الحقيقية وألا يرضوا بالقشور؛ فما قيمة أن يحملني أحدهم ويعب نفسه طول اليوم، ثم يعود لبيته في المساء دون أن يزداد من كنوزي التي بين يديه.

ثم انتفض وهو يقول: أيدري هؤلاء أنني كريم؟! وأنني لا أؤمن بالمظاهر؛ فلو قلَّب أحدهم صفحاتي وهو يشرب شوربة عدس أو لسان عصفور لن أحجب عنه ما عندي، ولن أدير له ظهري وأتهمه بالرجعية، ولن أنظم وقفة احتجاجية وأطالب بشرب القهوة مع القراءة. هل يعلمون؟ ليتهم يعلمون. قلت له: هوِّن عليك يا صديقي! الدنيا بخير، وليس كل من يقرأ يشرب قهوة؛ فإننا اليوم في زمن نأكل فيه بطلوع الروح من غلاء الأسعار، وإن شاء الله قريبًا تصبح القهوة من المحرمات، وقطع كلامي وهو يقول: اسمع! شيئان في صدري أحدهما عن القهوة والآخر عن الشباب.

قلت: هات، وأنا أسمعك بكل جوارحي؛ فقال: قُبض شوقي وكان قد أخبر سكرتيره الخاص أحمد عبد الوهاب أبو العز أمرًا، ولا تسألني ما هو لأني سأقول دون أن تقاطعني! كان شوقي يريد أن يكتب لملك اليمن خطاب شكر لإرساله أربعين زمبيلا من البن، وفي الثانية صباحًا مات شوقي ولم يشكر ملك اليمن ولم يشرب القهوة؛ فلا يتوهمن أحدهم أن القهوة تحقنه بالثقافة والعلم.

الأمر الآخر الذي في نفسي هو المظاهر المصاحبة لي، أشهد الله وأشهدك أني أمقتها، لكنني أسمع وأطيع ولا أملك حق التمرد المباشر، وقد ترى من يتعالم بغير علم، وقد أدمى قلبي ما وقع لأبي القاسم الحضرمي، وأراه يتكرر الآن بنصه وفصه! قلت: من أبو القاسم الحضرمي؟ وما خبره؟ فأجابني وهو يعض على شفتيه آسفًا: إنه عالم من علماء القرن الخامس الهجري، وقد كلف الوراقين (أصحاب المكتبات وفي مصر مثل سور الأزبكية أو الفجالة أو معرض الكتاب) أن يخبروه إن وقع تحت أيديهم كتابٌ يطلبه منذ زمن، وفي بعض الأيام جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى، وهنأه بالعثور على طِلبته؛ فسر الحضرمي وخرج ليدفع ثمنه ويحصل عليه.

دخل الحضرمي سوق الوراقين، وقصد من في حوزته الكتاب، وقال: أشتريه بدينارين؛ فصاح الدلال: أبو القاسم الحضرمي عرض دينارين؛ فمن لديه أكثر؟ فقال بعضهم دون كبير اهتمام: ثلاثة، وقال آخرون: أربعة. وأبو القاسم أشبه بأحمد شوقي سريع الملل؛ فقال: عليَّ بعشرة! وكان يريد أن يتخلص من الموقف ومن المهاترات السخيفة. لكن شابًا ظهر من لا مكان، ونظر إلى المجلد وقلَّبه في يده، ثم قال: عليَّ بعشرين؛ فغضب أبو القاسم ووصلت المزايدة بينهما إلى خمسين دينارًا!

تضاءل أبو القاسم وخشع أمام جبروت المال؛ فمن أين له بخمسين دينارًا وهو عالم يطلب العلم ولا يجمع المال، وبصوت خاشع مستكين خاطب الشاب: إنك قد بالغت مبالغة مسرفة حين عرضت الخمسين، وما كان هذا المجلد ليزيد عن خمسة على الأكثر؛ فما سبب رغبتك فيه؟! (ثم غمزني الكتاب في جنبي ولكزني متحسرًا يؤنبني: واسمع يا صديقي لتعلم حجم الكارثة)، وأجاب الشاب سؤال الحضرمي فقال: لستُ ممكن يقرؤون الكتب، ولكني هيَّأتُ خزانة علمية أدبية للمباهاة، وقد صرفت عليها كثيرًا مما أملك، وأعيانُ البلدة يؤمُّونها، ويطالعون ما بها؛ فأشعر بالفخر والإعجاب، وقد تأمَّلتُ الكتاب؛ فوجدته حسن الورق والخط والتجليد، فعاهدت نفسي ألا يخرج من قبضتي وألا يفلت من خزانتي، والحمد لله على ما أنعم؛ فإن الرزق كثير.

أتدري ما صنع الحضرمي يا صديقي؟ قلت: لا والله! وشكرًا لك لوصفك إياي بصديقك، أشاح عني بوجهه وهو يواصل: سقطت روح الحضرمي بين قدميه، وقال للشاب في يأس وضيق: نعم! الرزق عندك كثير، ويعطي الله الجوز لمن لا أسنان له. هذا حال الكثيرين من شباب اليوم، ولا أقول الجميع فلولا القليل ما كان لي قيمة، ولولا القليل ما سمعتني الآن، ولولا القليل ما قرأ الناس لك ولغيرك، وقبل أن تستدرك علي قول الحضرمي (ويعطي الله الجوز لمن لا أسنان له)؛ فإني أقول: قالها الحضرمي لحظة غضب، والغضب مسٌّ من الجنون، وقد يخرج المرء عن طوره، ولم يقصد الحضرمي بالطبع القدح في حكمة الله. أرأيت يا صديقي حال الناس معي؟ وكيف يعاملونني؟ والله لو شرب أحدهم القهوة أو شوربة عدس أو (مش بدوده)؛ فلن أتوارى عنه وأمنعه من الاستفادة.

واغرورقت عيناه بالدمع وهو يكمل: مللت يا رجل، قهوة وكتاب! أخشى أن أموت وفي نفسي شيء من القهوة، كما مات الفراء وفي نفسه شيء من حتَّى، وإخالني سأصاب قريبًا بفوبيا القهوة؛ فقد بدأت أستشعر الحرج إذا جلست إلى جوارها؛ فيتلذذ بها أصحابها ويكتفون بالنظر إلى غلافي، وقلما يجبر أحدهم خاطري ويطالع ولو فهرس محتوياتي! أرجوك أن تخبر الشباب والفتيات أن ربط الثقافة بالقهوة أمر غير مفهوم، ولا يختلف عن ربط الأرنب بالحشرات، وأبلغهم عني حتى ينقطع النفس: (القراءة للثقافة تختلف كمًا ونوعًا عن القراءة للاستعراض على مواقع التواصل، ولا تضعوني والقهوة في سلة واحدة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك