تبدو العلاقة بين الكلمة والعقل مدهشة إذا استحضرنا أنّ أوّل ثورة إنسانيّة كانت يوم قرّر الإنسان إثبات وجوده ورسم أثره وبناء رابطة بينه وبين العالم من خلال أشكال حفرها على الصخور، أشكال ستتطوّر فيما بعد إلى حروف وكلمات.

هذه العلاقة – بين الكلمة والعقل – كانت وما زالت محور عدّة بحوث ودراسات نذكر منها؛ دراسة بريطانيّة أجريت على أكثر من 17 ألف شخص تتبعت تأثير القراءة على جوانب حياتهم المختلفة منذ أن كانوا حديثي الولادة لسنّ الكهولة (سنّ الثانية والأربعين تحديدًا). أثبتت الدراسة أنّ القراءة لم تحسّن القدرات اللغويّة لهؤلاء الأفراد فقط، بعد قدرات التفكير لديهم مثل قدرة حلّ مسائل الرياضيات والقدرة على التحليل [1]. دراسة أخرى أمريكيّة توصّلت إلى أنّ قراءة الكتب والإنصات إلى القصص لدى الأطفال ينشّط مناطق الجهة اليمنى للدماغ وهي المناطق المسؤولة على إدراك المفاهيم والذاكرة [2]. الدراسة الثالثة هولنديّة حديثة برهنت أنّ القراءة تحدّ من الاكتئاب خاصّة لكبار السنّ وذلك من خلال الاستجابات العاطفيّة للكلمة فالقراءة تخرج المرء من شباك العزلة نحو فضاء يزخر بالأفكار والقصص والمشاهد. لأهميّتها تبنّت وزارة الصحة الهولندية هذه الدراسة وترجمتها لمخطّط عمل عَنْوَنَتْهُ «الكتاب وصفة طبيّة»[3].

عديد من الدراسات تثبت كلّ مرّة أنّ القراءة حلّ مذهل لعديد مشكلات الإنسان من أيّام طفولته الأولى إلى أيّام شيخوخته، فكم نحتاج اليوم لترسيخ الوعي بأنّ القراءة ليست مجرّد نشاط كماليّ للطفل إنّما هي أسلوب تنشئة لفرد متكامل القدرات الأدبيّة والعلميّة ذي رأي سديد ومعرفة، له منهجيّة تحليليّة نقديّة تمكّنه من اِكتساب آليّات مواجهة المثبّطات والصعوبات التي تعترض طريقه في الحياة.

زراعة الأب والأمّ حبّ القراءة في أطفالهم يحتاج منهما إيمانًا حقيقيًّا بأبعادها المترامية وتأثيراتها في حياة بَنيهم. يمكن للأب/الأمّ أن يقرأ لطفله منذ أيّامه الأولى أو يحكي له الحكايات ليعوّد عقل الطفل على استقبال الأصوات والعبارات، كما أنّ عمليّة القصّ هذه أو التكلّم للطفل من شأنها أن تبثّ في الطفل الشعور بالأمن وتقوي وشائج العاطفة بينه وبين الأهل. أمّا في سنواته الأولى فتعدّ القصص والحكايات عاملًا لتخصيب خيال الطفل وتوسيع تصوّراته تجاه ما هو ماديّ وما هو معنويّ. ثمّ مع تقدّم الأعوام تكون القصص والحكايات المرويّة وعاءً ينهل منه الطفل التراث القِيمِيَّ والاجتماعيّ فيتدثّر بالانتماء لمحيطه ويبدأ في إدراك الآخر. كما يكون الكتاب دوما منطلقًا لتوليد الأفكار ولاستنباط الحلول وللتحليق في أفق أرحب لا تحدّه المعطيات المحسوسة بل يكون متفتّحًا مجدّدًا يُلاحق الآمال مهما تباعدت دروبها.

الاِعتناء بالقراءة في هذا العصر المزدحم بمنتجات التكنولوجيا من ألعاب إلكترونيّة وهواتف ذكيّة تزخر بالألعاب ووسائل التواصل العجيبة، يعتبر تحديًّا صعبًا أمام الأهل والمربّين الساعين لبناء الطفل وتنشئة الفرد الفاعل. لذلك وجب التفكير والبحث عن أساليب ترغيبيّة تؤكّد على صلابة هذا الصديق – الكتاب – في هذا العصر السائل. أوّلا يجب أن تكون القراءة جزءًا من حياة الأسرة فيتعوّد عليها الطفل من صغره وتكون له عادة حميدة ممتعة إذ ينشأ على حضور الكتاب لدى والديه مصدرًا مهمًّا للمعرفة والإلهام. كما يمكن تطوير شكل الكتاب بالنسبة للصغار لكتاب تفاعليّ سمعيّ ضوئيّ يلبيّ حاجة الطفل لتطوير عدّة مهارات وهكذا يكون الكتاب مصدرًا متكاملًا يلجأ إليه الطفل فيشبع حاجته للاِكتشاف والاِستمتاع محقّقًا بناء ذاته مُذْ حداثة عهده.

في الآونة الأخيرة انتشرت عديد المبادرات التعليميّة لإقامة تحديّات القراءة أي أن يتحدّى الطفل نفسه ويتسابق مع أقرانه لقراءة عدد معيّن من القصص في وقت محدّد، يمكن تطوير هذه الفكرة في المنزل فيكافأ الطفل برحلة أو بأمر محبّب إليه إذا طالع – من تلقاء نفسه أي دون ضعط من الأهل – عددًا لا بأس به من القصص، فتكون القراءة فعلًا مشرّفًا يستحقّ التقدير في ذهن الطفل وعلى هذا الاعتقاد ينشأ. يمكن للأهل أيضًا اختيار الكتب بعناية لأطفالهم فتكون كتبًا ذات أسلوب مميّز مشوّق تقدّم المعلومة بطريقة مدهشة تجعل الكتاب مصدر اِنتشاء واِكتشاف يرنو له الطفل ويستمتع مستغرقًا في السفر بين دفّاته.

مهما طال الزّمن وتطوّت الأساليب والمناهج فإنّ قول «خير جليس في الزمن كتاب» يبقى مشعًّا لأنّ فكرته لا تصدأ بل تُصدَّقُ يومًا بعد يوم، وهذا لا يمكن استغرابه أبدًا كلّما تذكّرنا أنّ الكتاب والكلمة هي الأداة الأبديّة التي اختاراها الخالق لتأهيل البشر للفهم والارتقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد