التأمل في آيات الكتاب:

نَظَر موريس بوكاي إلى كتاب الله – القران – فَوَجَدَ – أن كل آيةٍ من آياته تستحق الوقوف والتأمل، وهذا التأمل يجعلك تقف عند الحقيقة تمامًا، ولو أن الإنسان أنفق عمرهُ في التأمل في ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ما كان في ذلك أسف أو لوم، وحَسْبُ المتأمل في آيات الكتاب الكفاية من الاعتبار والحكمة، لأجل بناء الحياة على الإدراك والحس الصحيح، لقد تردد في ذهن موريس بوكاي الكثير من الصور تتعلق في عجز الإنسان وطفولته وسذاجته، كذلك كانَ كَثير التأمل في أطوال الحياة يشوب ذلك التأمل شيء من الكبرياء المرّ، مع الاحتفاظ بالموضوعية العلمية، إضافة إلى اعتزازه بقدرته العلمية، الأمر الذي أوردهُ الكثير من الحقائق، لم يكن بوكاي لاهي القلب بل كان شديد اليقظة، ولم يكن تفكيرهُ مجردًا عن العلم والعبادة، وإنما كان مزيجًا من كل ذلك، واسمعهُ إن شئت وهو يقول: «الفرق بين الشمس والقمر في القرآن: قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) (1)» وهنا يشير بوكاي إلى أن الشمس هي مصدر الضوء وأن القمر إنما هو انعكاس لهذا الضوء، وهذا ما يبدو جليًّا في هذه الآية وغيرها من الآيات، واسمعهُ أيضًا وهو يقول: «ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقًا وجعلَ القمَرَ فيهنَّ نورًا وجعل الشمس سراجًا» (2) والسراج الوهاج هو بوضوح الشمس، ولقد وصف القمر هنا كأنه جرُم ينُير – مُنير – من المصدر نفسه الذي هو نور وهو منسوب إلى القمر، بينما الشمس مشبهة بالسراج والقنديل الوهاج.

ويظهر إذًا أن في القران تلوينًا في التعبير يشير إلى حركات خاصة بالشمس والقمر تثبتها معطيات العلم الحديث، ولا يمكننا أن نفهم أن رجلًا من القرن السابع الميلادي مهما كان واسع العلم في عصره، وهو ما لم يكن عليه حال محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، بإمكانه أن يتصورها»(3)، ونرى بوكاي يمعن النظر في قول الباري سبحانه: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» (4) فيقول في ذلك: «فهل يمكن أن يكون قول الله في الآية التالية: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسوعون متعرضًا لهذه المفاهيم الحديثة، أليست السماء التي يعنيها القرآن هي على التحقيق العالم الخارج عن الأرض، وقد أعطى البعض ممن استعانوا في تفاسيرهم بالآراء العلمية الثابته، هذا المعنى كما هو دأب مفسري تفسير المنتخب المطبوع من قبل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، فقد ذكروا امتداد الكون واتساعه دون أي غموض» (5)، ونراه يغوص كثيرًا في قوله تعالى: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ» (6) فيقول: «إن هذه الآية تشير إلى الإمكانية التي يحقق بها الناس ما نسميه في عصرنا على سبيل التجاوز غزو الفضاء، وينبغي التنبيه إلى أن النص القراني لا يتعرض فقط إلى النفوذ من أقطار السموات فحسب، بل من أقطار الأرض أيضًا، وهذا يعني سَبر الأعماق». (7)، ونرى بوكاي يتناول هذه الآية: «وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ۝ لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ» (8) مع أن كثيرًا منا يمرون عليها وهم في غفلةٍ تامة، ومع ذلك تجد الكلمات تتفتق من ثنايا شفتيه، فيقول في شأن هذه الآية وهي إنما مثلٌ يُضرب لتأملهِ في آيات الكتاب: «إن إشعاع الشمس الحراري يحدث تبخر المحيطات وكل مساحات الأراضي المغرقة أو المشوبة بالمياه، وبانفصال البخار في الجو وبتكثفه يشكل السحاب الذي تسوقه الرياح بدورها إلى مسافات مختلفة، وقد يختفي دون أن ينزل مطرًا، كما يجد له مجموعات أُخرى فيتراكم معها في تكثف ضخم، أو يتجزأ فينزل مطرًا في بعض مراحل تطوره، فإذا نزل المطر على البحر فقد انتهى سريعًا دوره، أما إن أصاب الأراضي فقد تمتص المزروعات بعضه فيسهم في نمائها ثم هي بدورها وعن طريق تنفسها تعيد جزءًا منه إلى الجو، وأما البعض الآخر فيتسرب كثير منه أو قليل في الأرض ويتجه إلى المحيطات في مجار مائية، أو يعود عن طريق ترشحات في الأرض إلى شبكة المياه السطحية من الينابيع وغيرها. فلنقارن هذه المعطيات الحديثة في علم المياه مع تلك التي تقدمها لنا الآيات العديدة من القرآن في الفقرة، وسنشعر حتمًا بوجود اتفاق ملحوظ بين الاثنين». (9)

ويتطرق موريس بوكاي إلى أصل الحياة في القرآن، فيقول في قول الله عز وجل: «والله خلق كل دابة من ماء» «وسنرى فيما بعد أن الكلمة يمكن أن تُطلق على السائل المنوي» (10)، ويضيف قائلاً: «وهكذا فإن كل آيات القران المتعلقة بأصل الحياة، سواء كان يراد أصل الحياة العامة، أو العنصر الذي ينبت الزرع، أو البذرة الحيوانية متفقة مع معطيات العلمية الحديثة كل الاتفاق، وليس لأي خرافة وثنية مما كان يفيض بها ذلك العصر حول أصل الحياة وجود في نص القرآن»، (11)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد